أنت وفلسطين

من Ikhwanwiki
اذهب إلى: تصفح, ابحث
كتاب : أنت وفلسطين

للدكتور / راغب السرجاني


محتويات

مقدمة

خطأ في إنشاء صورة مصغرة: Unable to run external programs, passthru() is disabled.

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله..

أما بعد..

فما أسهل الكلام وأصعب العمل!.. يقول ربنا سبحانه وتعالى فى كتابه الكريم: "قَالَتِ الأَعْرَابُ: آمَنَّا.. قُلْ: لَمْ تُؤْمِنُوا!.. وَلَكِنْ قُولُوا: أَسْلَمْنَا.. وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ..". إن كلمة الإيمان سهلة، يقولها الكثير.. لكن القليل هو من يُصدِّق هذا القول بالفعل.. القليل هو من يعمِّق جذور الإيمان في قلبه عن طريق العمل والجهد والتضحيات..

عندما مر المسلمون في الأشهر الأخيرة من عام 2005 م بأزمة الإساءة للرسول على صفحات بعض الجرائد الدنماركية وغيرها.. لمس الجميع عمق حب المسلمين لنبيهم .. ذلك الحب الذي ترجمته تلك الغضبة العارمة، التي شملت مشارق الارض ومغاربها.. حيث نُظِّمت المؤتمرات والندوات والمظاهرات، وظهرت لوائح المقاطعة هنا وهناك...

ومع كل التقدير لهذه العاطفة وتلك الغضبة.. إلا أن هذا النوع من النُصرة العاطفية أمر سهل لا يمكن أن يظهر عمقه في القلب إلا إذا صدَّقه العمل؛ لأن ميدان العمل أصعب دائمًا.. فلا تقف حدود نصرة الرسول عند حدود التصريح بحبه وإعلان الغضب له ؛ لأن الله في الأصل قد تكفَّل بنصر نبيِّه.. بل نصره بالفعل: "إلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ ".

وإنما تتجلى نصرة المسلمين الصادقين لرسولهم في حُسن اتباع سنَّته، والسير على منهجه، والاهتداء بهديه القويم.

لا بد أن يسأل الأتباع الصادقون أنفسهم: ماذا لو كان النبي حيًّا بين أظهرنا الآن؟! كيف يكون تعامله مع قضايا المسلمين المختلفة وجراحهم النازفة هنا وهناك؟؟

وليست الإجابة عسيرة المنال على من فقه سيرة الحبيب ؛ فسيرته ملأى بكل ما يُصلح المسلمين في حياتهم، وما يمكن أن يمر بهم من مواقف..

ونريد في السطور القادمة أن نقف أمام أعمق جراح الأمة "جرح فلسطين"، وخاصَّةً بعد تطوراته الكبيرة الأخيرة، وما صاحب تشكيل "حماس" للحكومة الفلسطينية (بعد فوز ساحق في انتخابات 2006 والتي شهد الجميع بنزاهتها) من انكشاف فاضح لأوراق التآمر الدولي على الأمة عامة، وعلى فلسطين خاصة.. عبر قرارات تجميد الأموال، والحصار الخانق للشعب الفلسطيني عقابًا له على اختيار منهج الإسلام والمقاومة (المعروف دوليًّا باسم: الإرهاب!!).

ولا نريد في هذه السطور أن نكتفي بتكرار كلام يعرفه ويسمعه الجميع كل يوم.. ولا أن نقتصر على استعراض معلومات وحشد أفكار نظرية؛ فلا واقعية الإسلام، ولا إلحاح الظرف الفلسطيني العصيب.. يسمحان بأي قدر من الترف الفكري الذي لا يُتَرجَم على أرض الواقع. ونسأل الله عزَّ وجَلَّ أن يُعِزَّ الإسلام والمسلمين.

ماذا لو كان حيًّا بين أظهرنا ؟!

إذا كانت أزمة الرسوم المسيئة لرسولنا قد أظهرت عمق حب المسلمين لنبيهم العظيم.. فلا بد أن تظل الأمة حريصة على إبقاء جذوة الحب تلك مشتعلة في القلوب، ولا بد أن تستضيء بها الأمة – من بعد – في رسم طريقها في الحياة على نهج النبي وهديه في كل موقف وحال.

والخطوة الأولى دائما في هذا الطريق أن نسأل أنفسنا هذا السؤال: ماذا لو كان حيًّا بين أظهرنا ؟ ونقارن بين ما نمرُّ به من أحداث ومواقف، وما مرَّ به من أحداث ومواقف؛ ذلك أنه قد ترك لنا من التشريعات والأحكام ما نستطيع به أن نتبين منهجه فيما يستجد من أمور حتى بعد أن غاب عن حياتنا بشخصه .

من أجل ذلك نريد أن نعقد مقارنة بين تعامل الأمة الإسلامية (المتَّبعة للرسول والمحبة له) مع الملف الفلسطيني بتداعياته.. وبين تعامل الرسول مع قضايا مشابهة واجهتها الأمة في حياته .. وسنأخذ مثلاً (غزوة تبوك) التي وقعت في العام التاسع الهجري، وكانت آخر غزوة خرج فيها .

الدارس لغزوة تبوك وما سبقها من استعداد وتحفيز عالٍ للأمة بكل طاقاتها.. يدرك دون عناء خطورة الموقف الذي كان يواجهه المسلمون حينذاك.. حينما مُسَّت كرامة الأمة من قِبَل أقوى دول الأرض (الروم)، والتي كانت تقتسم النفوذ في العالم مع دولة الفرس، فجهَّز رسول الله ثلاثين ألف مقاتل (في جيش هو الأضخم على مستوى غزوات وسرايا العهد النبوي)، وحفَّز المؤمنين للجهاد بأموالهم قبل الخروج بأنفسهم؛ نظرًا لحالة العسرة الشديدة التي كانت تمر بها الأمة آنذاك.. وظهرت نماذج البذل الرفيعة في أمة الإسلام بصور غير مسبوقة...

لقد جيَّش الأمة بكامل طاقاتها للخروج إلى تبوك؛ لأن الدولة الرومانية العظمى (فى ذلك الوقت) قتلت رجلين فقط من المسلمين، وجمعت جيوشًا على أطراف الدولة الإسلامية.. أي أنها لم تدخل الدولة الإسلامية بعد..

ترى.. لو كان حيًّا بين أظهرنا، وحدثت مشكلة تبوك في وقت متزامن مع ما تمرُّ به فلسطين اليوم من محن.. ولم تكن له طاقة إلا أن يتوجه لمكان واحد.. أتراه يختار تبوكًا أم يختار فلسطين؟؟ لأننا نريد أن نخلُص من ذلك إلى نتيجة مهمة.. هي أنه إذا جيَّش الرسول كل تلك الإمكانيات لحل مشكلة تبوك، وكانت مشكلة فلسطين أكثر إلحاحًا وخطورة.. فإن التحرُّك لحلِّها ونصرة شعبها سيكون أوجب، وبطاقةٍ مضاعفة..

وللموازنة بين إلحاح مشكلة تبوك وإلحاح مشكلة فلسطين لا بد أن نعقد المقارنة التالية بين المشكلتين:

1.غزوة تبوك كانت لمقتل رسولين من المسلمين في أرض الشام، كانا في طريقهما إلى قيصر، (رجلين فقط!).. أما فلسطين فقد استشهد من أهلها أكثر من أربعة آلاف! 20% منهم أطفالٌ تحت (16 سنة) وذلك منذ بدء انتفاضة الأقصى عام 2000 فقط!!..

2.في تبوك.. كان الجيش الروماني يتجهز لحرب رسول الله ، ولم يدخل الجزيرة العربية بعد.. بل كان في أرض الشام، ولم تكن الشام ولا تبوك أرضًا إسلامية آنذاك.. أما فلسطين الإسلامية فيعيث فيها الجيش اليهودي القذر فسادًا.. أي أن الجيش اليهودي بالفعل في أرض إسلامية، وهو لا يحتل فقط.. بل يستبدل بأهل فلسطين أهله وأبناءه من بني إسرائيل!..

3.في تبوك.. لم يُخرَج مسلم من داره، أما في فلسطين فقد أُخرِجَ ملايين الفلسطينيين من ديارهم منذ أكثر من خمسين عامًا!! وربنا يأمرنا (وعلينا الطاعة) فيقول: "وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ".

4.تبوك كانت تهديدًا، ولم يحدث بعدُ قتال.. أما فلسطين فتعاني من حرب ضارية قائمة بالفعل.. وربنا يأمرنا.. وعلينا الطاعة، فيقول: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ".

5.تبوك لم تكن بها مقدسات إسلامية.. بل كان بها ديار الظالمين.. ديار ثمود!! أما فلسطين ففيها الأقصى.. ثالث الحرمين.. وأولى القبلتين.. ومسرى رسول الله شتان - في اعتقادي - بين الموقفين.. لا شك أنه لو كان حيًا بين أظهرنا لاختار فلسطين على تبوك. إن كان لابد من الاختيار؛ فقضية فلسطين أشد خطورة.. وكلتا القضيتين خطيرة..

وعلى هذا القدر يجب أن تنظر الأمة كلها إلى قضية فلسطين وواجباتنا نحوها..

وقبل أن نفصِّل في الواجبات التي تجب على كل مسلم تجاه فلسطين.. سنتوقف في الصفحات القادمة أمام بعض المفاهيم التي تضبط رؤيتنا لقضية فلسطين، خاصَّةً في أعقاب التداعيات التي تلت تشكيل (حماس) للحكومة الفلسطينية.. ذلك أن حُسن الفهم يقود إلى حُسن العمل، وعلى الجانب الآخر.. فسوء الفهم قد يُقعد صاحبه عن العمل في منتصف الطريق، بل في أوله!! إلى جانب ما ينتج دائمًا عن التحرُّكات غير المنضبطة بفهم صحيح من فساد وإفساد.

نصرة فلسطين واجب حتمي!

هناك عدَّة أسباب ترفع درجة دعم إخواننا في فلسطين بكل الوسائل المتاحة من مستوى التفضُّل أو النافلة الاختيارية إلى مستوى الوجوب الحتمي الذي لا يمكن أن ينفَكَّ عنه المسلم إذا أراد صلاح آخرته ودنياه..

أولاً: فريضة شرعية

يتعين على أهل الأرض المسلمة المحتلة الجهادُ من أجل تحريرها.. أي يُفرض عليهم الجهاد كالصلاة المفروضة وكصيام رمضان..

ولا خلاف بين العلماء في أن من لم يجاهد من أهلها لتحريرها بكاملها أثم.. وبالتالي فإن على أهل فلسطين أن يجاهدوا حتى يحرروها بكاملها، فإن لم يكف أهل فلسطين لتلك المهمة – كما هو واقع أمامنا اليوم - تعيَّن الجهاد على الأقطار الإسلامية المجاورة أو ما تسمى دول الجوار: "مصر و الأردن و سوريا و لبنان... وهكذا، حتى يشمل ذلك كل مسلمي الأرض.. فرض على المسلمين في كل الأرض أن ينصروا إخوانهم في فلسطين، وهم يرون ما يصيبهم يوميًّا وعلى مدار أكثر من خمسين سنة!!

روى أبو داود عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبَي طَلْحَةَ بْنَ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيَّ رضي الله عنهما أن رَسُولُ اللَّهِ قال: "مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ".

فالرسول أمرنا بنصرة المسلمين المظلومين (بل إننا مأمورون فوق ذلك بنصرة أي مظلوم ولو كان من غير المسلمين).

ولا ظلم أوضح مما أصاب إخواننا في فلسطين؛ ففي خمس سنوات فقط (من عام 2000 م إلى 2005 م) دُمِّر قرابة 40 ألف منزل!! وأكثر من أربعين ألف جريح.. إلى جانب أعداد الشهداء التي ذكرناها منذ قليل.

ثانيًا: واجب النخوة!!

إذا لم يجد المسلمون في الوجوب الشرعي دافعًا كافيًا (وهذا غير مقبول!).. أفلا تتحرك النخوة الإنسانية في الصدور أمام حجم الظلم والعدوان الرهيب الواقع على أهل فلسطين (أيًّا كانت صلتنا بهم)؟!!

إن النخوة الإنسانية قد تحمل بعض الكافرين على التحرك لنصرة المسلمين المظلومين!! ونرى ذلك في الواقع كثيرًا.. وفي التاريخ أكثر.. ولا بد أن نتذكَّر أن بعض المشركين من بني هاشم قد حوصروا مع رسول الله وأصحابه في شعب أبي طالب ثلاث سنوات ذاقوا فيها مرارة الجوع والحرمان.. وما تحملوا ذلك إلا نُصرةً لمحمد لمجرد أنه من قبيلتهم!! تحركت نخوتهم القبلية له مع عدم إيمانهم برسالته.. وحملتهم تلك النخوة على ذلك الصبر العجيب الذي قد يُفهم من المسلم صاحب العقيدة لا من المشرك!

ثم إن الذي تحرَّك لنقض الصحيفة ورفع ذلك الظلم كان خمسة من مشركي قريش (ليس فيهم مسلم واحد!!) وكان منهم "المطعم بن عدي" وآخرون.. لم تحتمل نفوسهم الحية رؤية المظلومين دون أن ينصروهم..

تُرى.. أيأتي زمان على أمة الإسلام.. نتمنَّى فيه أن ترتفع أخلاق المسلمين إلى أخلاق الكافرين.. من أمثال "المطعم بن عدي" ومن معه ممن تحرَّكت نخوتهم للمسلمين؟؟!

وإذا كان من المشركين قديمًا من تحرَّك لرفع الحصار عن المسلمين، وتمزيق الصحيفة الظالمة.. فمن يمزِّق اليوم صحيفة المقاطعة الظالمة.. التي تلتف اليوم حول رقاب أبناء فلسطين؟؟!

ثالثًا: العُرف !

أيُنْكِرُ العرف العالمي المعاصر على شعب أن يُحَرِّر أرضه؟!

• أجُرِّمَ الفرنسيون لأنهم حاولوا ونجحوا فى تحرير بلادهم من الألمان عندما احتلوها؟!

• أجُرِّمَ الجزائريون لأنهم حرروا بلادهم من فرنسا؟!

• أجُرِّمَ الليبيون لأنهم حرروا بلادهم من إيطاليا؟!

لماذا لا تُجَرَّمُ دول العالم التى احتُلَّتْ عندما تكافح لتحرير نفسها (بل يُكَرَّم أبناؤها ويُعَدُّون أبطالاً)؟؟.. بينما يُجَرَّمُ الفلسطينيون الآن.. ويوصَم أبطالهم بالإرهاب؟!! ويتحالف على ذلك القريب والبعيد.. والمسلم وغير المسلم؟؟!

لا ينكر العُرف أبدًا مشروع المقاومة التي تبنَّته حماس وتبنَّاه – من وراء حماس - الشعب الفلسطيني بأغلبية ساحقة!..

رابعًا: خصوصية فلسطين

وإذا كان الشرع يفترض على المسلمين تحرير أي أرض إسلامية يحتلها العدو.. فإن لأرض فلسطين خصوصية إسلامية تُضاعف الهمم لتحريرها، وتُلهِب الأشواق للاستشهاد على ترابها.. أرض فلسطين أرض خاصة، ليست ككل أراضى المسلمين..

• فيها المسجد الأقصى.. أولى القبلتين، وثالث الحرمين، ومسرى رسول الله .

• وهي الأرض التي بارك الله عز وجل فيها للعالمين.

• وفي أكنافها يرابط المجاهدون الصادقون إلى يوم القيامة.. فقد روى أحمد في مسنده عن أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ، لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ (أي: مشقة) حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ".

•وهي أرض المحشر والمنشر.. كما روى ابن ماجة عَنْ مَيْمُونَةَ مَوْلَاةِ النَّبِيِّ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ.. قَالَ: "أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ..."

ولعل الله عز وجل قد وضع كل هذه الصفات العظيمة فى هذه الأرض لأنه يعلم سبحانه بسابق علمه أنها ستظل بؤرة صراع إلى يوم القيامة.. طمع فيها قبل ذلك الفرس، ثم الرومان.. ومرت الأيام فغزاها الصليبيون.. ثم تعاقبت القرون فطمع فيها الإنجليز فاليهود... وستظل بؤرة صراع إلى يوم القيامة؛ فمن رحمة رب العالمين بالمسلمين أن جعل فيها كل هذه الصفات لتهفو إليها نفوس المسلمين؛ فلا تُحتل فلسطين إلا وتحركت نفوس المسلمين إليها.

ولذلك فإن فلسطين تُعَدُّ مقياسًا لإيمان الأمة؛ فلو تحركت الأمة بحميَّة فى قضية فلسطين فهذه دلالة على قوة الإيمان، وإذا تخلَّفت الأمة عن نصرة قضية فلسطين فهذه علامة على ضعف إيمان الأمة.. ولا يأتي نصرٌ مع ضعف الايمان.

خامسًا: الأمن القومي

وجود قوة إسلامية كبيرة تقف في مواجهة المشروع الصهيونى فى فلسطين هو من ضرورات الحفاظ على الأمن القومي.. ليس لفلسطين فقط، ولا لدول الجوار وحدها، ولكن للعالم العربي والإسلامي بكامله.. وفى مقدمته "مصر".

وحركة حماس الآن تمثل رأس الحربة الموجه إلى قلب العدو الصهيوني.. وإن لم يُقَوَّ ذلك الرأس، وإن أُنهك وأُضعف المشروع الإسلامي فى فلسطين.. وإن سقطت المقاومة التفت اليهود إلى ما وراء فلسطين من سائر بلاد العالم العربي والإسلامي.

ولم يعد سرًّا أن اليهود قد بنوا مخططهم الاستعماري على أساس التوسع وعدم الاكتفاء بفلسطين.. ولا يحاول اليهود إخفاء ذلك، وإلا لما بقيت خريطة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات مرسومة على جدار الكنيست، ومشفوعة بالنصوص الدينية المزعومة، التي تؤكد هذا الحق لهم.. وما احتلال سيناء مِنَّا ببعيد، ولا غزو لبنان مِنَّا ببعيد.. وما يزال احتلال الجولان واقعًا مريرًا يراه المسلمون بأعينهم. وإذا تُرك للقوة اليهودية أن تنمو دون مقاومة فما نشك مطلقًا فى أنهم سيفكرون فى دولتهم الكبرى من النيل إلى الفرات.. وإن أقاموها فسيفكرون فيما بعدها... وأحلام اليهود لا تتوقف عن التوسع.

ومما يؤكد رغبة اليهود في بسط الهيمنة وإحكام الحصار على العالم الإسلامي كله.. ما قاموا بالتخطيط له فور قيام دولتهم في منتصف القرن الماضي، ففي أعقاب عام 1948 م أعلن (بن جوريون) على الملأ المخطط الإسرائيلي الذي عُرف باستراتيجية (شد الأطراف)، ويهدف هذا المخطط إلى حصار العالم العربي عن طريق:

•إقامة تحالفات إسرائيلية مع أهم الدول ذات الأصول العرقية غير العربية، والتي تحيط بالعالم العربي.. وكانت أولى الدول التي توجهت إليها أنظار اليهود في ذلك الوقت: تركيا وإيران (قبل قيام الثورة الإسلامية) وأثيوبيا.

•إلى جانب استثارة المشكلات العرقية لدى الأقليات التي تعيش في الأقطار العربية، عن طريق توثيق الاتصالات مع زعماء تلك الأقليات (الأكراد في العراق – سكان جنوب السودان – الموارنة في لبنان – الدروز والأكراد في سوريا - ......).

ولم يأت عام 1960 م حتى وقفت (جولدا مائير) وزيرة الخارجية الإسرائيلية آنذاك لتعلن بفخر: "لقد نجحنا في إقناع الدول المحيطة بالدول العربية لإقامة (حلف الدائرة)؛ ليشكِّل سورًا حول تلك الدول!...

وظلت هذه الاستراتيجية حاكمة للعقل الإسرائيلي إلى وقتنا هذا.. ولنا أن نلاحظ الحرص اليهودي المستمر على التحالف مع أطراف العالم الإسلامي لشدِّها إليه، ومن ثَمَّ حصار الأمة كلها (لا فلسطين وحدها).

وتأملْ – في ذلك الصدد - متانة العلاقات الإسرائيلية مع دول مثل الهند بل موريتانيا!! ولاحظ مدى إلحاح استراتيجية الحصار على تحركات السياسة الخارجية الإسرائيلية عندما تعلم أن إسرائيل كانت أول دولة تقيم جسورًا من العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع الجمهوريات الإسلامية التي تحررت من السيطرة السوفييتية أوائل التسعينيات.

ولا يفوتنا أن ندرك أن اليهود لا ينجحون في التحالف مع دول إسلامية، أو استثارة النعرات العرقية في بعض هذه الدول إلا عندما يغيب المنهج الإسلامي عن توجيه النظرة السياسية لتلك الدول داخليًّا وخارجيًّا، وتسود النظرة الدنيوية والمناهج العلمانية.

نحن – إذًا – لا نتفضَّل على إخواننا في فلسطين عندما ننصرهم أو نقدم لهم الدعم.. وإنما ننصر أنفسنا في المقام الأول، ونسعى للنجاة من سياسة الحصار التي تلتف حول رقابنا دون أن نشعر.. تلك السياسة التي تركناها تنجح (بكل أسف) في تركيع العراق حتى سقط، وفي قهر ليبيا على قبول شروط الغرب… وها هي تتم الآن لإرغام الشعب الفلسطيني على نبذ المقاومة، والتخلي عمَّن يرفعون لواءها؛ ليُهدم حائط الدفاع الأول الذي يواجه الطغيان الصهيوني.

وكما رأينا.. فلن تقتصر النجاة على الدنيا فقط، بل إن دعم إخواننا حتميٌّ لنجاتنا في الآخرة من عقوبة التخلي عن تحرير أرض إسلامية محتلة (وخاصَّة فلسطين).. إلى جانب النجاة الأخلاقية من فقدان النخوة الإنسانية عندما نرى المظلوم يُذبح دون أن نمدَّ له يد العون.

لماذا يخافون من حماس.. ؟!

لا بد هنا من وقفة نتأمل فيها سرِّ الهياج الإقليمي والدولي الذي أعقب وصول (حماس) للسلطة في فلسطين، عبر انتخابات شهد لها الجميع بالنزاهة.. فمن حق أي عقل أن يتساءل: لماذا يتكتَّل المجتمع الغربي (بجناحيه الأمريكي والأوروبي) لإجهاض تجربة حماس، مع أنها لا تخلو من عوائق النمو الطبيعية، والتي يأتي على رأسها الاحتلال الإسرائيلي بكل آثاره المعروفة.. إلى جانب أن فلسطين أصلاً (حتى دون احتلال) دولة صغيرة لا تتجاوز مساحتها 26 ألف كم مربع.. فما الأثر الذي سينعكس سلبًا على مصالح الغرب من جرَّاء وصول التيار الإسلامي (الذي تمثله حماس) إلى سلطة محفوفة بالمشكلات والمصاعب؟!!

لا يمكن – في هذا السياق – أن يُرَدَّ الأمر إلى قوة حماس عسكريًا؛ تلك القوة التي مهما بلغت فلن تتجاوز بكثير قوة فتح (التي كانت تمثل السلطة السابقة) فضلاً عن أن تُقارَن بالآلة العسكرية الإسرائيلية وما تتمتع به من إمكانيات نووية وغير نووية.

ولا يتبقَّى من أسباب الهياج العالمي إلا أن الفائز هذه المرة هي (حماس) التي ترفع شعار الإسلام كعلاج وحلٍّ لما على الساحة الفلسطينية من مشكلات سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو غيرها... وهذا في حد ذاته غير مقبول عند أرباب السياسة الدولية المعاصرة للأسباب التالية:

أولاً: أسلمة القضية.. ونتائجها:

نجاح حماس يعني – ببساطة – "أسلمة القضية الفلسطينية"، وهذه الأسلمة فى عرف الساسة الدوليين خطيرة جدًا جدًا.. لأنها تغير موازين اللعبة تمامًا بصورة تعصف بتاريخ طويل من التخطيط الدائب والتهيئة الحثيثة لمسرح الأحداث ليكون صالحًا لنمو الكيان الصهيوني واستقراره.

1.أسلمة القضية.. بداية الحل!

أسلمة القضية الفلسطينية تعني بداية الطريق الصحيح نحو حل هذه القضية حلاً جذريًّا يُعيد الحق لأصحابه، ويقضي على الاحتلال الذي طال فوق ثمانية وخمسين عامًا.

والمتأمل في تاريخ فلسطين يُدرك دون عناء أنها ما عادت أبدًا للمسلمين إلا على يد جيش مؤمن صادق، يرفع راية الإسلام بحقٍّ، ويستكمل شروط النصر الإلهي بصدق.. وأعداؤنا يقرءون تاريخنا، ويعلمون (أكثر منا للأسف!) كيف يمكن أن ننتصر، ومن المؤكد أنهم يعرفون قول عمر بن الخطاب لجنوده: "..إنما يُنصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة؛ لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم.. فإن استوينا في المعصية، كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا نُنصرْ عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا.." ومن الواضح أن هذه الأمة لا تُنصر إلا إذا أعادت حسن صلتها بربها، وأحكمت روابط الأخوَّة بين أبنائها، واجتهدت في استكمال قوَّتهم قدر الطاقة..

وبالتالي فإن اليهود ومَن وراءهم لا يشغلهم كثيرًا النظر إلى مفردات القوة العسكرية التي تمتلكها حماس.. وإنما ينظرون إلى إخلاصهم وصدقهم وحميَّتهم، وإلى حبِّهم للموت فى سبيل الله، وطلبهم للجنة، وخوفهم من النار، وتمسكهم في كل كبيرة وصغيرة بشرع الله عز وجل... وعندما يرى العدو ذلك يدرك إدراكا يقينيًّا أن المجال لو تُرك لهؤلاء فلن يحكموا فلسطين فقط.. بل سيحكمون العالم أجمع!! وقد تكرر هذا مرارًا فى تاريخ المسلمين.

وإذا ضاق أعداؤنا اليوم بصعود حكومة حماس فقد ضاقوا من قبل بمثل هذا المشهد في الجزائر عام 1992 م عقب نجاح الإسلاميون بنسبة 90% ، وقامت الدنيا حينها، ولم تقعد حتى أجهضوا (بقيادة فرنسا بلد الحريات!!) قيام حكومة إسلامية فى الجزائر (مع أن الجزائر أيضًا ليست دولة شديدة التأثير على مسار الأحداث الدولية).. ومازال الشعب الجزائري يدفع الثمن الغالي لاختياره الديمقراطي! وما يزال المجتمع الدولي خائفًا من صعود من يرفعون راية الإسلام إلى الحكم في أي مكان لنفس الأسباب.

2.توسيع جبهة المقاومة:

من نتائج أسلمة القضية الفلسطينية أيضًا إدخال أطراف كثيرة لا يريد العدو لها أن تدخل في حسابات المعركة المصيرية بيننا وبينه..

ولمزيد من التوضيح لا بد أن نتذكر أن تعداد المسلمين في العالم 1300 مليون تقريبًا (مليار وربع المليار!)، بينما لا يتجاوز العرب بكثير حدود 300 مليون فقط!! وإحياء البعد العقائدي الإسلامي في قضية فلسطين يعني استنفار عواطف (فضلاً عن طاقات) الملايين من الشعوب والدول الإسلامية، والتي لم تكن لتدخل في المعادلة لو أن القضية بقيت محصورة داخل الإطار القومي العربي الضيق.

هذا التوسيع لجبهة المقاومة توسيع واقعي واجب؛ لأن الشأن الفلسطيني كما تبين لنا في الصفحات السابقة يدخل في عقيدة المسلمين.. أيًّا كانت انتماءاتهم اللغوية أو العرقية، ولنا أن نتخيل أن تدخل في حسابات العدو (وهو ينظر إلى القضية الفلسطينية) دولٌ مثل باكستان أو تركيا أو إيران أو إندونيسيا... أو غيرها من الدول الإسلامية ذات الثقل الاقتصادي أو العسكري أو البشري.. في ذلك الحين سيجد العدو نفسه في مواجهة طاقات وإمكانيات متنوعة، ومساحات جغرافية هائلة (من مثل ما يتمتع به العالم الإسلامي).

وقد شاهد أعداؤنا من أشهر قليلة ما يمكن أن يؤدي إليه المساس بالعواطف الدينية للشعوب الإسلامية (عربية كانت أو غير عربية) عندما أسيء لشخص الرسول العظيم على صفحات جرائد الدنمارك وغيرها.. وهم يعلمون أن نصرة المسلمين وغضبهم لفلسطين لن يكون أقل، وخاصة إذا صحَّ فهم القضية وفقه أبعادها الشرعية.

3. جنود يرجون الله!

من النتائج الخطيرة (في تقديرات العدو) لأسلمة قضية فلسطين – وغيرها من قضايا الأمة المصيرية – أن أعين الجنود الذين سيحملون هذه القضية ستكون موجَّهة نحو الجنة (سلعة الله الغالية!!) لا نحو أي مغنم دنيوي رخيص، وهذا ما يتربَّى عليه (من اللحظة الأولى) كلُّ من جعل الله غايته، والآخرة وجهته.. إنه قد أبرم هذه الصفقة منذ أعلن أنه مؤمن: "إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَ‍قًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ".

وإذا اتَّخَذَت قضيةُ فلسطين البُعدَ العقائدي الإسلامي فسيكون جنودها ممن أبرموا هذه الصفقة مع رب العالمين.. وبالتالي فلن يكون بوسع الواحد منهم إبرام صفقات دنيوية حقيرة يتنازل فيها عن حق الله في أرض فلسطين مقابل حفنة دولارات!!

وهذه النوعية من الجنود تُعجِز العدو (وخاصة اليهود)؛ فلن يستطيع شراء ضمائرهم، أو تحويل نظرهم عن الآخرة.. إذ كيف يمكن لمن يرى الجنة ويشم ريحها أن يرجو أجرًا من أمريكا أو بريطانيا أو .....؟!!

وما نُكِبت قضية فلسطين إلا يوم نجح المال ومتاع الدنيا في شراء ذمم بعض أبناء القضية (ممن بدءوا حياتهم في خنادق المقاومة و الجهاد!!).. فتغيرت النفوس، وانحرفت التوجُّهات، واستُخْدِم المجاهدون السابقون كأدوات لبيع القضية وخسرانها.

وصدق رسول الله حين حذَّر أمته من فتنة الدنيا في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه: "...فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ".

ثانيًا: خوفًا من تكرار التجربة..

إذا نجحت تجربة حماس في الحكم (برغم صعوبات الاحتلال القائمة، وبرغم ضعف الإمكانيات) فسيشجع هذا النجاح على إمكانية تكرار التجربة في بلدان إسلامية أخرى كثيرة.. ونحن نلمس جميعًا مدَّ الصحوة الإسلامية في كل بلاد العالم الإسلامي، التي ستكون فرص نجاح تجربة الحكم الإسلامي فيها أكبر إذا قورنت بما يواجه حماس من الصعوبات التي أشرنا إليها آنفًا.

ولا يخفى بالطبع ما يمثله صعود التيار الإسلامي إلى الحكم في مختلف بلدان العالم الإسلامي من خطورة بالغة تهدد مصالح الغرب في بلاد المسلمين.

ثالثًا: كشف أوراق الفاسدين!!

وإلى جانب كل ما سبق فإن نجاح حماس بمرجعيتها الإسلامية سيفتح ملفات سوداء للفساد الذي لطَّخ سيرة السلطة السابقة؛ لأن نظافة يد حماس، وتعففها عن المال العام سيفضحان قبح ممارسات أركان السلطة السابقة.

والحق أن ملف الفساد في السلطة السابقة لم يعد من قبيل الأسرار؛ ففضائحه يعرفها القاصي والداني، ويتداولها القضاء الفلسطيني.. كما أنه ملف قديم أصيل في سلوك تلك السلطة (إلا من رحم الله) منذ استلمت مقاليد الأمور في عام 1996 م.. ويكفينا أن نعرف أنه في عام 1997 م (أي بعد عام واحد فقط من استلام السلطة!!) أُعلِن عن اختفاء (326 مليون دولار!!).. ولا ندري ما معنى اختفاء مبلغ بهذا الحجم؟!!

وهذا الخبر – وغيره كثير يثير الفزع! – يؤكد خطورة فتنة المال التي كان رسولنا يخشاها على أمَّته.. فقد روى الإمام أحمد عَنْ كَعْبِ بْنِ عِيَاضٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: "إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَإِنَّ فِتْنَةَ أُمَّتِي الْمَالُ".

وإذا تنزَّلت بركات السماء والأرض (التي وعد الله بها أهل القرى لو آمنوا واتَّقوا) على الاقتصاد الفلسطيني عندما يُدار بأيدٍ تراقب الله وتتعفف عن الحرام.. إذا حدث ذلك فلن يتكشَّف الوجه القبيح لفساد السلطة السابقة وحده، بل ستلتفت شعوب الدول الإسلامية المجاورة إلى أثقال الفساد والنهب التي تكبِّل نموَّها، وسيعرف الجميع أن هذا العالم الإسلامي (وعلى عكس ما يُصَوِّر الكثير أو يتصوَّرون) غنيٌّ بموارده.. غزيرة بركاته.. لا تحتاج أرضه لعصًا سحرية لتنشقَّ عن خيراتها التي أودعها الله إيَّاها، إنما تحتاج لأيدٍ متوضئة معتصمة بهدي السماء.

من أجل ذلك لا يُطيق المفسدون علوَّ المصلحين وظهورهم؛ لأن مجرَّد هذا العُلوّ والظهور سيكشف الفساد الذي يُراد له أن يظلَّ مستترًا تحت الأرض.

تكرار الفشل.. غيابٌ للعقل!!

هناك مقولة معروفة مفادها أن فشل التجربة الأولى في التاريخ يؤدي إلى مأساة، بينما يُعتبر فشل التجربة الثانية (إذا كانت تكرارًا للأولى الفاشلة) ملهاة! بمعنى أنه لو خاض قوم محاولة لإنجاز أمر معين ففشلت هذه المحاولة.. فقد يؤدي هذا الفشل لمأساة من جرَّاء فوات المصلحة..

أما إذا جاء آخرون بعدهم ليسلكوا ذات الطريق التي لم توصِّل إلى شيء، وليقوموا بنفس المحاولة التي فشلت من قبل.. فإن هذا التكرار يُعَدُّ ملهاة تستحق السخرية من عقول الفريق الثاني الذين لم يتعلموا شيئًا من فشل مَن سبقهم!!

ولكي نُسقط هذا المثال على ما نحن بصدده لا بد أن نتساءل: كيف يُمكن أن تُطالَب حماس بالسير في طريق المفاوضات والتنازلات الذي سارت فيه السلطة السابقة؟؟! ماذا جنت قضية فلسطين من ذلك الطريق الذي نُكِبت الأمة بالسير فيه على مدار أكثر من ثلاثة عشر عامًا كاملة بدءًا من أوسلو فما وراءها؟!!

إن كمَّ الفشل الذي تراكم على ملفَّات القضية الفلسطينية يمنع أي عقل سليم (ولو بغير مرجعية إسلامية!) من الاقتناع بجدوى مواصلة السير من جديد في طريق التسليم والتنازلات.

ثم هل يتخيَّل عاقل أن تسمح إسرائيل (طواعية هكذا!!) بقيام دولة فلسطينية حقيقية، بما يحمله مفهوم الدولة من مقتضيات السيادة الكاملة، والجيش المسلَّح القادر على الدفاع عن أرضه، إلى جانب استقلال القرار والتحكم في الدخول والخروج من وإلى الدولة..؟!!

إذا كانت أمريكا (لأجل مصلحة إسرائيل) تريد أن تمنع تسلُّح دولاً إسلامية مثل (العراق و إيران و باكستان..) بأسلحة متطوِّرة؛ لأن مداها قد يهدد أمن إسرائيل رغم طول المسافات.. فهل يُعقل أن تسمح إسرائيل نفسها بقيام دولة ذات إمكانيات حقيقية ملاصقة لها؟! لن يسمح اليهود إلا بقيام كيان أشبه بمعسكرات الإيواء المعزولة عن بعضها بالجدار العازل وغيره..

يبقى في هذا السياق أن نتذكر بكل وضوح أن حماس خاضت الانتخابات الأخيرة ببرنامجها الذي يتبنَّى المقاومة ورفض التنازلات، وفازت (باكتساح) بثقة الشعب الفلسطيني الذي آثر برنامج "حماس" المقاوِم على برنامج التسوية السلمية الذي تبنَّته "فتح" على مدار أكثر من عشر سنوات (هي عُمْر فتح في السلطة السابقة)، وكانت تريد مواصلة السير فيه لا ندري إلى أين؟! جرَّب الفلسطينيون – إذًا – برنامج فتح، ثم اختاروا (ديمقراطيَّا) برنامج حماس.. أفيُطلب اليوم من الفصيل الفائز في الانتخابات أن يُمزِّق برنامجه الذي اختاره الشعب على أساسه؛ ليتبنَّى برنامج الفريق الخاسر في الانتخابات؟؟!!

لو فعلت "حماس" ذلك لخسرت نفسها، ولخسرت - إلى الأبد - شعبها الذي أوْلاها ثقته.. ولعل هذا المعنى هو ما سيقودنا – في السطور القادمة – إلى التعرُّف على الأسباب التي أدَّت إلى هذا الالتفاف الجماهيري حول برنامج "حماس".. تلك الأسباب التي انعكست في النهاية على صناديق الاقتراع الفلسطينية.

لماذا نجحت حماس؟؟

هناك أسباب كثيرة أدَّت إلى هذا الالتفاف الجماهيري حول حماس، والذي شهده الجميع في الانتخابات الأخيرة (يناير 2006 م) منها:

أولاً: شمولية الإسلام:

فقد لمس الشعب الفلسطيني شمول نظرة حماس للإسلام؛ فمع كونها حركة مقاومة بما يحمله هذا العنوان من إيحاءات عسكرية قتالية وحسْب.. إلا أن حماس اختلطت بالشعب في كل المجالات (صحيَّةً واجتماعية وخدمية وثقافية و...)، ولم يقتصر عطاؤها على الجانب الجهادي والسياسي فقط.. بل رأى الشعب أبناء حماس يطبِّقون الإسلام في كل ذرَّات حياتهم، ومن ثَمَّ أدرك الفلسطينيون طبيعة الإسلام الآسرة للقلوب.. وأنه دين ينتظم أمور الحياة جميعًا.. "قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ".

ثانيًا: توازن رائع!

تتمتع حماس بتوازن رائع في تعاملها مع باقي الفصائل الفلسطينية الأخرى (مع وضوح الاختلاف الأيديولوجي بينها وبين تلك الفصائل).. ولم يكن هذا التوازن سلوكًا جديدًا أو طارئًا على منهج حماس، بل هو نمط مستقر في تعاملها مع سائر الفصائل منذ تأسست كحركةٍ للمقاومة الإسلامية في النصف الثاني من الثمانينيات.

وحتى عندما تسلمت حماس الحكومة ألحَّت على مختلف الفصائل للمشاركة في حكومة وحدة وطنية (مع عدم احتياجها لذلك، ومع بريق فتنة الحكم!!).. إلا أن تلك الفصائل – وبدافع إفشال تجربة "حماس" – رفضت جميعًا المشاركة.

ومع ذلك لا تزال حماس – حتَّى بعد انفرادها بتشكيل الحكومة – تمدُّ يدها لكل مخلص ليساعد في حل أزمات الشعب الفلسطيني.. وعلى رأسها احتلال أرضه وضياع حقه.

ثالثًا: صون الدم الفلسطيني:

تسعى حماس بمنتهى القوة لتجنُّب المساس بالدم الفلسطيني، والانزلاق إلى صراعات داخلية تحوِّل البنادق عن هدفها الحقيقي في اتجاه العدو المشترك إلى صدور الأشقاء أيًّا كانت أسباب الخلاف.

وأظهرت حماس في عهد السلطة السابقة قدرًا هائلاً من ضبط النفس والأعصاب أمام ما كان يتعرض له أبناؤها من مطاردات واعتقالات (بل وتعذيب!!) على يد عناصر الشرطة الفلسطينية..

ولا شك أن هذه الروح النبيلة وهذا الترتيب الصحيح لأولويات القضية كان مما دفع الشعب الفلسطيني لاختيار حماس.

رابعًا: وضوح الرؤية:

مما يميِّز برنامج حماس أيضًا وضوح رؤيتها للقضية الفلسطينية ولأبعاد الصراع مع العدو الصهيوني.. فهم يجاهدون لتحرير فلسطين كاملة، دون اعتراف للعدو بأي شبر منها.. سواء في ذلك الأراضي المحتلة عام 1948 م أو عام 1967 م.. فكل أرض فلسطين وقف إسلامي (من البحر إلى النهر)، وتحريرها واجب على المسلمين جميعًا مهما كلَّفهم ذلك من تضحيات.

خامسًا: نظافة اليد!

يتميز أبناء حماس (ومن على شاكلتهم ممن تربَّوا على منهج الإسلام) بنظافة اليد، والتعفف عن المال العام.. بل عُرِف عن وزراء حماس أنهم رفضوا تقاضي رواتبهم إلى أن يأخذ كل فلسطيني راتبه!! في انصهار نادر بين القيادة والشعب لن تجد له مثيلاً إلا في ظلال التربية الإسلامية والحكم الإسلامي.

سادسًا: الحنكة السياسية:

استطاعت حماس أن تدير علاقاتها مع دول الجوار بحنكة سياسية بالغة؛ فمع اختلاف توجُّه حماس عن توجُّهات الأنظمة العربية المجاورة.. بل مع أن معظم دول الجوار تحارب التوجه الذي تنتمي إليه حماس... إلا أنها نجحت – بفضل الله – في الإبقاء على جسور التواصل والاحترام المتبادل بينها وبين مختلف الدول العربية.

سابعًا: القادة في خندق الجنود!!

انتخب الشارع الفلسطيني حماس لأنه رأى تسابق أبنائها للتضحية في سبيل الله، واشتراكهم جميعًا في تقديم أرواحهم رخيصة لتحرير أرض الإسلام في فلسطين.. لم يُستثنَ منهم قائد أو زعيم: استُشهد القائد المؤسس الشيخ "أحمد ياسين"، واستشهد خليفته "د/عبد العزيز الرنتيسي".. وسبقهما ولحق بهما العديد من القيادات البارزة سياسيًّا وعسكريًّا: "إسماعيل أبو شنب" و"صلاح شحادة" و"يحيى عياش" و"محمود أبو هنود" و"عماد عقل" و.... بل إن منزل وزير الخارجية "د/محمود الزهار" كان قد تم قصفه منذ أقل من عامين، وأصيب "الزهار" آنذاك بينما استشهد ابنه رحمه الله!

وجد الفلسطينيون صف حماس صفًّا من طراز فريد.. لا ينعزل قادته في أبراج آمنة بينما يُلقُون بجنودهم في أتون اللهب غير عابئين.. بل الجميع – قادة وجنودًا - يرى الشهادة في سبيل الله أمنية غالية بل... أسمى الأماني.

ثامنًا: سرعة التكيُّف:

كثيرًا ما تعرَّضت حماس لضربات كان الجميع يظنون ألا قيام لهذه الحركة بعدها؛ فقد خاف المخلصون على كتائب القسَّام (ذراع حماس العسكري) يوم استُشهد "يحيى عياش" ويوم استُشهد قائدها العام "صلاح شحادة" وغيرهما.. ولكن كانت الحركة (بحمد الله وقدرته) تداوي جراحها سريعًا، وتواصل السير والمقاومة، وتُحسن الردَّ على العدو ولو بعد حين..

ومرَّت الأيام واستُشهد البطلان: "أحمد ياسين" و"الرنتيسي" في شهر واحد!.. وظنَّ الكثيرون السوء بقدرة حماس على مواصلة المسير.. إلا أنها كانت بفضل الله تتميَّز دائمًا بسرعة عالية في التكيُّف مع الأحداث والتعامل مع أصعب المواقف.

وإلى جانب النظام الإداري المرن هناك البراعة التقنية التي تنجح دائمًا (بتوفيق الله) في الاستفادة من أبسط الإمكانيات المتاحة.. وكلنا يسمع عن صواريخ القسَّام التي تُصنع بإمكانيات غير مُتَخَيَّلة من حيث البساطة، إلا أنها تضرب بقوة في عمق المستوطنات اليهودية.. كما لا ننسى عمليات الأنفاق التي كانت تفجِّر المعسكرات اليهودية من أسفلها، وتعجَّب لها الجميع!

من أجل كل ما سبق انتُخِبت حماس، وحظيت بثقة الشارع الفلسطيني سياسيًّا كما حظيت بثقته - من قبل - جهاديًّا وعسكريًّا.. ونستطيع الآن ببساطة أن نعتبر تلك النقاط السابقة بمثابة برنامج حماس غير المكتوب الذي اختارها الشعب على أساسه.

ومن ثَمَّ فإن أي تفريط في أمر من هذه الأمور يسحب الثقة من المشروع الإسلامي بالكليَّة.. ولذلك فلا العدل ولا المنطق يسمحان لأحد أن يُطالب حماس بالتخلي عن برنامجها ومشروعها الإسلامي المتكامل.

ومن قراءة التاريخ.. نستمد الأمل!

إذا اقتربت النفوس من الإحباط لحرج الموقف الذي يمر به إخواننا في فلسطين، ولتكالب قوى الأرض على حصار حكومة حماس.. فلا بد لنا من استرجاع مواقف من تاريخ أمتنا كانت أشد ضيقًا، وكان الحصار على المؤمنين أكثر إحكامًا، والاحتلال أثبت أركانًا.. ومع ذلك خرج المؤمنون من أزماتهم لا خروج الكفاف بلا نصر أو هزيمة، ولكن خروج المنتصر العزيز بربه.. الواثق في السيادة والغلبة على عدوه، ومَنْ وَرَاءَ عدوه..

درس من الأحزاب:

لما اشتد الحصار على المدينة من الأحزاب ضاقت النفوس و".. زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ.." واجتمع على المسلمين البرد والجوع والخوف.. وافتقدوا كل مقومات النجاة الماديَّة – فضلاً عن الانتصار والغلبة – إذا برسول الله  لا يبشرهم فقط بالنجاة من حصار قريش وحلفائها.. بل يبشرهم بسيادة العالم!! كما روى أحمد عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن صخرة شقَّت على المسلمين وهم يحفرون الخندق، فجاء يُعِينُهُم.. "...فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ فَضَرَبَ ضَرْبَةً فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ وَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ مِنْ مَكَانِي هَذَا ثُمَّ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَضَرَبَ أُخْرَى فَكَسَرَ ثُلُثَ الْحَجَرِ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ الْمَدَائِنَ وَأُبْصِرُ قَصْرَهَا الْأَبْيَضَ مِنْ مَكَانِي هَذَا ثُمَّ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَقَلَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي هَذَا"!!. وهي بشارات لا يتحمَّلها (بالنظر إلى مرارة الواقع) إلا قلب المؤمن الصادق وعقله.. أما المنافقون فقالوا: ".. مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا"!!

وتخيَّل الآن أن هناك من يبشِّر المقاومين المسلمين أبطال فلسطين لا بالخروج من أزمتهم الراهنة فقط.. بل بسيادة الأرض وأستاذية العالم!!!

وهذا وهم وخيال في نظر الكثيرين إلا إنه حق لا ريب فيه في نظر المؤمن الصادق "وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا.."

ومن شكَّ في ذلك فليراجع إيمانه.. "مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ".

وفي قصة الصليبيين عِبرة!

وإذا استطال المسلمون احتلال اليهود لفلسطين، والذي قارب على الستين عامًا.. فلقد احتلَّ الصليبيون قديمًا أرض فلسطين مائتي عام!! وكان احتلالهم استيطانيًّا كاليهود.. أي أنهم ما جاءوا بالجيوش فقط، وإنما جاءوا أيضًا بأهليهم وأموالهم!.. وتوالت أجيال من الصليبيين على أرض فلسطين.. وما يئس المسلمون الصادقون.. بل جاهدوا عدوَّهم طويلاً حتى كتب الله لهم النصر.

فلئن كان أجدادنا قد حرَّروها بعد مائتي عام من الاحتلال.. فإنَّا – بحول الله – اليوم على تحريرها أقدر ومن استعادتها أقرب.

حماس.. بين الأمس واليوم:

وإذا كان من شواهد الماضي البعيد في تاريخ أمتنا ما يبعث الأمل حيًّا في نصر من الله وفتح قريب.. فإن في شواهد الماضي القريب الذي مرَّت به حماس نفسها ما يعطي دفعات هائلة من الأمل لقلوب المؤمنين، ويزيد من بشريات النصر إن شاء الله..

لقد نُفي أكثر من أربعمائة من قيادات حماس إلى مرج الزهور (على الحدود مع لبنان) في ديسمبر عام 1992 م، وكان من بين المُبعدين آنذاك: "إسماعيل هنية!!" و"محمود الزهار!!" وغيرهما... وعلى مدار عام كامل صارع أولئك الأبطال ضراوة الظروف المناخية القاسية، ومرارة الإبعاد والوحشة، وكانت القلوب تتفطر لمشاهدة عملية ترحيلهم المتنافية مع أبسط قواعد الإنسانية، أو مشاهدة صورهم بين الثلوج دون غطاء... ربما لم يكن البعض يتوقع آنذاك أن يعود هؤلاء لديارهم أحياء، فضلاً عن أن يكون من بينهم رئيس وزراء ووزير خارجية...!!

ومرَّت الأيام وتوالت الضربات على حركة حماس.. حتى جاء عام 2004 م واستشهد البطلان "أحمد ياسين" و"د/عبد العزيز الرنتيسي" في غضون أقل من شهر واحد! وضاقت - عند الكثيرين - مساحات التفاؤل بأي بارقة أمل تنقذ مستقبل حماس وبقاءها في الوجود.. وما كان يتصوَّر أحد ألا يمر عامان حتى تكتسح هذه الحركة المطارَدة الانتخابات التشريعية حتى تتمكن من تشكيل الحكومة بمفردها!! ولكن الله أراد سبحانه أن يُجلي لعباده طرفًا من عجائب أقداره وبديع تدبيره لعباده.

"قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ".

أنت و فلسطين..

إن الاقتصار على النوايا الحسنة التي لا رصيد لها من واقع التطبيق.. لا يمكن أن تكفي لتحقيق ما يتمنَّاه صاحبها من أهداف.

• فلا يكفي أن تتمنَّى دخول الجنة لاستحقاق دخولها.. بل لا بد من عمل و جهاد.

• وكذلك لا يكفي مجرد التأثر العاطفي بما يتعرَّض له إخواننا في فلسطين.. ولا مجرَّد التمنيات الطيبة لهم بالنصر والتمكين.. لا تكفي هذه التمنيات أو ذلك التأثر ليتحقق النصر فعليًّا لإخواننا هناك، بل لا بد من عمل وبذل وتضحيات.. حتى وإن لم تكن بمستوى ما يقدمونه هم من دماء وأرواح، فيكفي أن تكون مشاركة بالحد الأدنى المستطاع حاليًّا.

إذًا.. فلا بد لنا الآن من الوقوف أمام أدوار محددة لا يصح النزول عنها من أفراد المسلمين ومجتمعاتهم بأي حال من الأحوال

أولاً: تحريك القضية:

لا بد من الاهتمام الحقيقي بإحياء قضيَّة فلسطين وحتميَّة نصرتها في قلوب من حولنا من المسلمين وغير المسلمين.. لا بد أن ننشر هذه المفاهيم التي مرَّت بنا في الصفحات السابقة في عقول العالمين؛ حتى تتضح الرؤية، ويتحرك الناس لنصر القضية تحرُّكًا مبصرًا مؤثرًا.. وما أكثر وسائل الاتصال ونقل المعلومات التي يجب علينا حسن الاستفادة منها لتعريف العالم بعدالة قضايانا، وإحياء همم المسلمين عبر الأقطار؛ فقد تُحرِّك همَّة مسلم في أقصى الأرض برسالة إلكترونية، أو موقع هادف، أو مُداخلة عبر الفضائيات... فيؤدي من الأدوار ما لم تكن أنت تستطيع أداءه، فيُوضع ذلك كله في ميزانك عند الله!

لا بد من دوام تحريك قضية فلسطين، وإحياء إسلاميَّتها، وإبقاء الرباط وثيقًا بين قضية فلسطين (بأبعادها الصحيحة) وبين قلوب المسلمين وعقولهم.. حتى لا تكون..... أندلسًا أخرى!!

ثانيًا: الجهاد بالمال..

إذا كان وضع إخواننا في فلسطين يُحَتِّم عليهم بذل الروح والمال جميعًا دفاعًا عن الأمة كلها (لا عن أنفسهم فقط) فلا أقل من أن يَستفرغ المسلمون في خارج فلسطين ممَّن عافاهم الله من الاحتلال والتشريد ووقف الرواتب شهورًا متوالية... لا أقل من أن يستفرغ أولئك المسلمون جهدهم في الجهاد بالمال دعمًا لصمود إخوانهم، وسدًّا لحوائجهم الملحَّة التي قد لا تتسع هذه الصفحات الموجزة للتفصيل فيها.. وإنما نكتفي بالإشارة إلى بعض الأمثلة كنفاد الأدوية من المستشفيات، وعدم تقاضي الآلاف من الموظفين لرواتبهم منذ تولي حكومة حماس مقاليد السلطة (فبراير 2006 م)...

هذا إلى جانب التهديدات الإسرائيلية بوقف توصيل بعض الإمدادات الحيوية (كالوقود) إلى مناطق السلطة الفلسطينية بسبب تأخر سداد المستحقَّات التي على الجانب الفلسطيني.. لعدم وجود أموال!!

كل ما سبق (وهو قليل جدًا من كثير مُفزع!!) من تداعيات وقف المساعدات الدولية؛ عقابًا على اختيار الشعب لحماس... أفإنْ حاصر العالم الغربي فلسطين أنشاركه نحن بإهمال فريضة "الجهاد بالمال".. تلك الفريضة الشرعية التي سيحاسَب كل منَّا (فرديًّا) أمام الله على القيام بها أو التقصير فيها؟؟!

ولا يستهينَنَّ أحد منَّا بما يمكننا تقديمه لفلسطين؛ فقد ضرب أحد قيادات حماس مثلاً بالشعب المصري (مع كل الضغوط الاقتصادية المعروفة التي تحيط بالشعب المصري)، فقال إن كل مصري لو أخرج جنيهًا واحدًا في الشهر لجمع الشعب المصري ما يقارب (70 مليون جنيه شهريًّا!!) وهو ما يشكل عُشر الميزانية الفلسطينية على حد قول المسئول الفلسطيني!!

تُرى.. أيعجز كل مصري أن يُخرج من ماله في سبيل الله لفلسطين (عشرة جنيهات شهريًّا)؛ فيكفل المصريون وحدهم حكومة حماس (فضلاً عمَّا يمكن أن تقدمه سائر الشعوب الإسلامية وغيرها)؟؟!

وإذا تعاظم في عينيك أن تُخرج عن كل فرد من أفراد أسرتك 10 جنيهات شهريًّا (أي 50 جنيهًا.. بناءً على متوسط أفراد الأسرة المصرية) فتخيَّل أن أسرتك قد زادت فردًا آخر.. وتأكَّد أننا ننفق أموالاً كثيرة في أمور أفضل ما يُقال عنها إنها من الترف الزائد جدًّا عن الحد!! فضلاً عن النفقات في أبواب الحرام التي نهانا الله عنها.. ولأضرب مثلاً بالتدخين فقط، وليسأل المدخن نفسه: كم يُنفق على انتحاره بالسجائر شهريًّا دون أن يلتفت إلى حاجة أسرته أو إلى ضغوط المعيشة؟؟ ألا يصلح الجهاد بالمال في قضية فلسطين وسيلةً فعَّالة للإقلاع عن التدخين، ورفع همم العقول والنفقات؟؟ ألا يذكر العبد موقفًا بين يدي رب العالمين، لا يملك فيه أن تزول قدماه حتى يُسأل عن: "....عَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟؟".. كما روى الترمذي في الحديث الحسن الصحيح..

ليُمسك كل منا الآن ورقة وقلمًا، وليقرر فيها كم سيُخرج شهريًّا لفلسطين، وليُلزِم نفسه بهذا القَدر، ثم ليُداوم عليه (مهما كان قليلاً.. فهو أحب إلى الله!).. ولا تسوِّف بعد أن يأتيك المال، وتنتظر حتى آخر الشهر فتعجز عن الأداء؛ فالشيطان لن يدعك.. فبادر بهزيمته، وثقِّلْ ميزانك عند ربك..

ولا يحتجَّ أحدٌ بأن المال قد لا يصل إلى فلسطين في ظل الحصار الدولي المفروض الآن على تدفق الأموال للأراضي الفلسطينية؛ فوالله ليصلّنَّ المال لإخواننا بقوة إيماننا، وصدق إخلاصنا لله أننا نجاهد بهذا المال في سبيله: " وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ".

لا بد من همم عالية.. لا بد من قلوب ونفوس تؤثر ثواب الله على متاع الدنيا الزائل.. لا بد من أرواح تسعى للتجارة مع الله...

لقد أخرج أبو بكر الصدِّيق ماله كله في ساعة العُسرة.. وأخرج عمر بن الخطَّاب نصف ماله.. وجهَّز عثمان بن عفَّان مئات الرواحل بكل ما يحتاجه ركَّابها من متاع.. وجادت نفوس المؤمنين الصادقين بالقليل والكثير...

•من منَّا عثمان بن عفان؟! •من منَّا أبو بكر الصديق.. أو عمر بن الخطاب.. أو عبد الرحمن بن عوف...؟! •من منَّا يُجَهِّز جيش العُسرة؟!! •من منَّا... يشتري الجنة؟!!!

ثالثًا: المقاطعة..

من المؤسف أن تفتر همم المسلمين في الثبات على مقاطعة اليهود والأمريكان والإنجليز.

ومع أن جرائمهم متواصلة في مختلف ديار المسلمين: في فلسطين وفي العراق وفي أفغانستان وغيرها... إلا أن المسلمين ما زالوا يُقبِلون (إلا من رحم الله) على شراء منتجاتهم!

ولست أدري كيف تسمح نخوة المسلم أن يتعامل مع من يذبحونإخوانه ليل نهار؟!! وحتى إن لم تكن المقاطعة واجبًا شرعيًّا.. ألا توجد في النفوس نخوة تجاه نزف الدماء الطاهرة صباح مساء؟!

لقد تحمَّس الكثيرون لمقاطعة البضائع الدنماركية أثناء أزمة الرسوم المسيئة لرسول الله ، ووزِّعت قوائم السلع بكل الوسائل.. ولكنني أسأل: ما وزن البضائع الدنماركية أصلاً في التعاملات التجارية لعموم المسلمين؟! لقد كان اختبارًا سهلاً!.. فلا وزن يُذكر لبضائع الدنمارك في الاستعمال اليومي للفرد المسلم أو البيت المسلم..

أما الاختبار الحقيقي الصعب فهو أن يُدعَى المسلمون لمقاطعة منتجاتٍ كتلك التي تغزو بها أمريكا أو بريطانيا (أو إسرائيل!!) أسواقنا، وتغمر بها كل تفاصيل حياتنا اليومية.. صغيرة كانت أو كبيرة... مثل ذلك النوع من المقاطعة لا يصبر عليه إلا الصادقون حقًّا.

• سنَّة.. لا بدعة!!

ومن أعجب العجب أن تسمع من يصف مقاطعة المنتجات الأمريكية والإسرائيلية.. بالبدعة التي لا أصل لها في الشرع!!!

هذا والله هو الوهن حقيقة!! كيف يمكن لمسلم أن يرى مثل هذا الرأي؟؟!! إن المقاطعة ليست مجرد أمر مباح تمارسه متى شئت، وتتركه متى شئت.. بل هي سنَّة نبوية، وعبادة تتقرَّب بها إلى رب العالمين سبحانه وتعالى.. وإليك الدليل من سنَّة النبي :

كان بنو حنيفة يسكنون منطقة اليمامة التي كانت تسمَّى (ريف مكة)، لكثرة ما تمد به مكة من الغذاء والحبوب.. وفي العام السابع الهجري أسلم سيِّد بني حنيفة "ثمامة بن أثال"، ثم أتى مكة للعمرة.. وأمام زعماء قريش أقسم قائلاً: "لا وَاللَّهِ لا يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ " رواه البخاري.

مع أن مكة بالنسبة لثمامة وقومه سوقٌ رائجةٌ، تُدِرُّ عليهم - بلا شك – الأرباح الوفيرة.. إلا أن ثمامة – رضي الله عنه – لم يتصوَّر أن يتاجر مع قوم يحاربون الله ورسوله (حتى وإن كانوا في مدَّة صلح الحديبية!).

وقد أورد البيهقي رحمه الله في سننه أن مقاطعة ثمامة لقريش طالت: "...حتى جَهِدَتْ قريش؛ فكتبوا إلى رسول الله يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة يُخَلِّي إليهم حمل الطعام.. ففعل رسول الله "..

ولو رأى رسول الله في مقاطعة ثمامة لقريش إثمًا لنهاه عنها.. إلا أنه لم يتجاوز أن أشفق على قريش، فأمر ثمامة بفك الحصار، وكان سكوته عن نهيه إقرارًا له على ما فعل؛ ذلك أن السنَّة هي ما ورد عنه من قول أو فعل أو تقرير.. كما عرَّفها أهل العلم.

فليست المقاطعة – إذن – أمرًا مباحًا.. بل هي سنَّة نبويَّة، تواجه بها الأمة طغيان عدوها (إن أعجزتها المقاومة بالسلاح) وتردع ذلك العدو عن التمادي في استباحة حرماتها.

وشتَّان بين موقف الصحابي الجليل "ثمامة بن أثال" رضي الله عنه وما فيه من دلالات الولاء الكامل لأمته، وحسن الفقه لأولويات دينه... وبين من تهون عليه قضايا أمته ودماء إخوانه في سبيل وجبة شهيَّة، أو مشروب اعتاده، أو ثوب أو حذاء من إنتاج أمريكي أو يهودي!!!.. ويُشْعِرُك إذا حدَّثتَه أن نهاية العالم عند ترك هذه السلع التي أحَبَّها وتعلَّق بها!!

وكما ذكرنا منذ قليل.. فالأمر لا يتعلَّق بضروريَّات الشرع فقط، بل إنه انعكاس لعمق النخوة في شخصيَّات مسلمي اليوم، ومقياس لحرارة الدماء التي تجري في عروقهم.. وسأضرب لك مثلاً يدلُّك على واقعيَّة ما أقول:

لو كنت في بيتك ودخل عليك جارك (حتى لو كان مسلمًا)، فاعتدى عليك بالسبِّ والضرب، وآذاك أمام زوجك وأولادك.. ولم تتمكَّن أنت من الرد عليه لسبب أو لآخر.. وكان هذا في أول اليوم... أفتطيب نفسك – لو كان جارك هذا تاجرًا – أن تشتري منه طعام العَشاء في آخر اليوم؟!!!

هل يجرؤ أحد على لومك (أو اتهامك بمخالفة السنَّة!!!) إذا قاطَعْتَه وأمرت أولادك بعدم الشراء منه...؟!!

أفرأيت إن كان جارك هذا غير مسلم، ودخل عليك، فذبح زوجك وأبناءك. وأهانك وسرق مالك... بل أخرجك من دارك!! وفي لحظة واحدة وجدت نفسك في العراء..! وأنت لا تستطيع – لسبب أو لآخر – أن تثأر لنفسك، وأن تستعيد حقك... وبينما أنت هائم على وجهك في الطرقات إذ أدركك الجوع.. أيمكنك أن تأتي متجره فتبتاع منه ما يسدَّ جوعك؟! أيقبل عاقل هذا الأمر...؟؟!!

إن التفسير الوحيد لكوننا لا نزال نشتري منتجات اليهود والأمريكان والإنجليز هو أننا لا نشعر حقيقة بأن الذين في فلسطين إخوة لنا فعلاً، ولا نحس برباط العقيدة الذي يجمعنا بهم، ولا نتذوق اجتماعنا حول كتاب واحد، واتجاهنا نحو قبلة واحدة، وسجودنا لإله واحد سبحانه وتعالى...

لا يمكن أن يتذوَّقَ كلَّ تلك الروابط من يبيع ويشتري من أعدائنا مع ضراوة الحرب بيننا وبينهم.

أنا أعلم أن هناك بعض المنتجات الضروريَّة التي نُضطَر لشرائها منهم؛ لعدم وجود بديل لها (بسبب تأخرنا الصناعي والتكنولوجي!!).. ولكن مثل هذه المنتجات لا تُشكِّل إلا نسبة قليلة من إجمالي ما نشتري من أعدائنا، والأغلب لا يدخل إطلاقًا في باب الضرورات، ولا يقترب من حد الاحتياج! (وقد فصَّلت الكلام حول المقاطعة وضوابطها في رسالة خاصة).

وإذا شكَّكَ البعض في جدوى المقاطعة، وتأثيرها على اقتصاديات أعداء الأمة فقد لمس الجميع الأثر البليغ لمقاطعة الدنمارك عندما التفَّتْ حولها الأمة.. فمن باب الأولى أن يُقاطَع من يستبيحون ديار المسلمين ودماءهم وأعراضهم ليل نهار!

رابعًا: الدعاء:

ليس الدعاء أمرًا هامشيًّا في قضية فلسطين.. كما أنه ليس أمرًا اختياريًا؛ إن شئنا قمنا به وإن شئنا تركناه.. كلا.. إن الدعاء ركن أساس من أركان النصر.. وسببٌ أكيد من أسباب التمكين.. وما ترك رسول الله الدعاء أبدًا، وما يئس منه قط، مهما تأخرت الإجابة، ومهما طال الطريق أو عظم الخطب.. وكان أشدَّ ما يكون دعاءً ورجاءً وخشوعًا وابتهالاً عند مواقف الضيق والشدة.. يفزع إلى ربه، ويطلب عونَه، ويرجو مددَه وتأييدَه.. رأينا ذلك في بدر.. وفي أحد.. وفي الأحزاب... وفي سائر أيامه .. و فلسطين تحتاج إلى دعاء لا ينقطع، ورجاءٍ لا يتوقف..

o فمن أدراك أن طائرة يهودية تقصِف، فَيُصَدُّ قصفُها بدعائك؟؟..

o من أدراك أن مخططًا يهوديًا يُدَبَّر في الظلام، فيُحْبَط بدعائك؟؟..

o ومن أدراك أن شابًا فلسطينيًا أطلق حجارةً أو رصاصة فأصابت هدفها بدعائك؟؟..

لا بد من دعاء مُلِحٍّ مستفيض متكرر على مدار اليوم والليلة..

  • دعاء في القنوت وفي السجود..
  • دعاء مع يقين في الإجابة..
  • دعاء ليس فيه عجلة ولا يأس..
  • دعاء مع حضور للقلب، وتضرع وانكسار لله عز وجل..
  • دعاء من مؤمنين يتحرَّون المال الحلال، ويتحرَّون الأوقات الفاضلة، ويتحرَّون الأحوال الشريفة..
  • دعاء في جوف الليل وقبل الفجر..
  • دعاء يجتمع فيه أهل البيت، وأهل العمل، وأهل المسجد...

خامسًا: العودة إلى الله:

جعل الله عز وجل قضية فلسطين مقياسًا دقيقًا لإيمان الأمة.. فهي تسقط في براثن الاحتلال - أياً كان هذا الاحتلال - إذا ابتعد المسلمون عن دينهم، وفقدوا هويتهم، ولم يتبعوا شرع ربهم.. كما أنها تعود إلى سلطان الإسلام إذا عاد المسلمون إلى دينهم، وتمسكوا بشرع ربهم وسنة نبيهم .. فلحظات ارتفاع المقاومة للاحتلال، ولحظات النضال و الجهاد والقوة هي لحظات الإيمان.. أما إذا ظهر الاستسلام والخنوع فهذه إشارة إلى غياب الدين من حياة المسلمين..

لا بد من عودة كاملة غير مشروطة إلى الله عز وجل.. فلا يستقيم أن يرفع المسلمون أيديهم إلى الله عز وجل يدعونه أن يعيد إليهم فلسطين، وأن يرفع عنها البلاء.. وهم لا يقدمون عملاً، ولا يركبون خيلاً، ولا يرفعون سيفاً، ولا يتمسكون بقرآن، ولا يحفظون سُنَّة، ولا ينتجون غذاءهم ودواءهم وسلاحهم، ولا يُحَكِّمُون شرع الله عز وجل في حياتهم..

ولن يتغير حالنا من ذِلَّةٍ إلى عِزَّة، ومن ضعف إلى قوة، ومن هوانٍ إلى تمكين.. إلا إذا اصطلحنا مع ربنا، وطبَّقنا شرعه، وتُبْنَا من ذنوبنا، وأخرجنا الدنيا من قلوبنا، وعَظُمَت الجنةُ في عقولنا.. ساعتَها.. ستصبح كلُّ حركة وكل سَكَنَةٍ في حياتنا دعمًا لقضية فلسطين..

• ستصبح صَلاتُنا في جماعة وقراءتُنا للقرآن وذكرُنا وصيامنا.. وجميع شعائر ديننا وطاعاتنا... ستصبح كلُّها دعمًا لفلسطين..

• وسيصبح بر الوالدين وصلة الرحم ورعاية الجار وحفظ الطريق وعون الملهوف.. وسائر أخلاق المؤمنين... ستصبح كلها دعمًا لفلسطين..

• وكذلك سيصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الناس الخير، ودعوة الآخرين إلى الفضيلة.. سيصبح كل ذلك أيضًا دعمًا لفلسطين...

وهكذا تتحول حياتُنا - بكل تفاصيلها - إلى دعم متواصل لفلسطين يوم يُحسن المسلمون العودة إلى ربهم، والاعتصام بحبله المتين.

إن قضية فلسطين قضية إسلامية تماماً.. وهي ستعود حتماً إلى الإسلام والمسلمين في يوم من الأيام، ولكن المهم.. من الذي سيُعيدها؟!.. أو قل: من الذي سيعود إلى الله.. فيُعيد الله إليه فلسطين؟!!

كلمة أخيرة..

على المسلمين العمل، وليس عليهم النتيجة.. ولا يحاسبنا الله عزَّ وجَلَّ إلا على ما قدَّمنا من عمل، ولا يسألنا: هل تحققت النتيجة من وراء ذلك العمل أم لا..

وسيرة الرسول ملأى بالشواهد على ذلك، وصفحات التاريخ ملأى كذلك:

•من يَحرِم ياسرًا وسميَّة – رضي الله عنهما – من الأجر، وقد لقيا ربهما شهيدين في مكة قبل أن يتحقق أي نصر للإسلام؟؟

•من يحرم مُصعبًا من الأجر، وقد استشهد في "مصيبة أحد!"، ومعه سبعون من أفاضل الشهداء... من يحرمهم جميعًا من منزلة الشهادة مع أنهم ما رأوا نصرًا، بل قضوا نحبهم والقرح يحيط بالمسلمين؟!

•من يحرم خُبَيْبَ بن عدي وحرام بن ملحان وغيرهما.. ممن قضوا في كوارث وأزمات مرَّت بالمسلمين.. من يحرمهم من أجورهم وقد أدَّوا ما عليهم بغضِّ النظر عن النتائج؟؟!

• بل قُل: من يحرم عماد الدين زنكي، و نور الدين محمود من الأجر.. وقد لقيا ربهما قبل أن يريا نصر المسلمين، وتحرير أرض فلسطين؟؟!.. من يحرمهما من الأجر وقد أعدَّا الجيل الذي خرج منه صلاح الدين بعد ذلك؟!!

هذه قضية لا بد أن يفقهها المسلمون جيِّدًا، وخاصة في مثل هذا الظرف الحرج الذي تمرُّ به فلسطين وحكومة حماس حاليًّا.. ذلك أن البعض قد يقول: إن حكومة حماس لن تصمد تحت وطأة الضغوط والحصار المفروض من الخارج والداخل.. وستسقط عاجلاً أو آجلاً.. ومن ثَمَّ فجهود الدعم التي نسعى جميعًا لإحيائها وتقويتها لن تُجدي في تغيير النهاية البائسة التي تنتظر تلك الحكومة في نهاية الطريق!!

في ضوء المفهوم المهم الذي لا يجب أن يغيب عن عقل المسلم ووجدانه (أنه مُطالَب بالعمل دون النتيجة) يمكننا أن نقول: حتى لو سقطت حكومة حماس.. أيؤثر ذلك على عملك لله عزَّ وجلَّ؟!.. لقد لام الله المؤمنين يوم قعدوا عن القتال لإشاعة مقتل الرسول وخاطبهم مُحذِّرًا: "وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِين"..

واعتمد على هذه الآية الصدِّيقُ رضي الله عنه، فقرَّر الحقيقة الخالدة يوم مات رسول الله بالفعل، وخاطب الأمة قائلاً: "من كان يعبد محمَّدًا فإن محمَّدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت..".

أنت تعمل لله لا لحماس.. وسواء على حكومة حماس أقامت أم سقطت (نسأل الله لها الثبات بالطبع!) فنحن نعمل لله عزَّ وجَلَّ.. الذي يراقب أعمالنا، ويجازينا عليها لا على النتائج التي تترتب عليها.

أما النصر والتمكين للإسلام والمسلمين (في فلسطين وفي غيرها...) فهذا من شأنه وحده – سبحانه وتعالى – يأتي به كيفما يشاء.. ومتى يشاء.

خاتمة..

أكرر ما بدأت به هذه الصفحات:

ما أسهل الكلام.. وما أصعب العمل.. كل الناس يُحسن الكلام، ويجيد إظهار التعاطف اللفظي.. أما العمل فلا يقوى عليه إلا الصادقون:

"قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ".

نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الصادقين، وأن يجعلنا من المجاهدين.. وأن يحرر فلسطين كاملة.. وأن ينصر المسلمين فى مشارق الارض ومغاربها.. وأن يربط على قلوب المجاهدين.. وأن يرفع رايات الموحدين.. وأن يُعِزَّ الإسلام والمسلمين.. وأن يُرِيَنا الحق حقًّا ويرزُقَنَا اتباعه، وأن يُرِيَنَا الباطل باطلاً، ويرزقنا اجتنابه..

كما نسأله سبحانه وتعالى أن يُفَقِّهَنَا فى سننه، وأن يُعَلِّمَنَا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علَّمَنَا.. إنه ولي ذلك والقادر عليه..

فستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله.. إن الله بصير بالعباد.....

للمزيد عن جهود الإخوان تجاه فلسطين وحرب 1948م

كتب متعلقة

ملفات متعلقة

مقالات متعلقة

أحداث في صور

.

تابع أحداث في صور

وصلات فيديو

أقرأ-أيضًا.png
مرشدو الإخوان والقضية الفلسطينية
الإمام حسن البنا والقضية الفلسطينية

الأستاذ محمد حامد أبو النصر والقضية الفلسطينية

الأستاذ مصطفي مشهور والقضية الفلسطينية

الأستاذ محمد المأمون الهضيبي والقضية الفلسطينية

الأستاذ محمد مهدي عاكف والقضية الفلسطينية

تابع الأستاذ محمد مهدي عاكف والقضية الفلسطينية

الدكتور محمد بديع والقضية الفلسطينية

الأثنين 21 , مايو , 2018, 03:30 توقيت القاهرة
أدوات شخصية

المتغيرات
أفعال