عادل الطرابلسي

من Ikhwanwiki
اذهب إلى: تصفح, ابحث
عادل الطرابلسي


بقلم: سعيد الجطلاوي

كأني به يكتب ميتته بيده و يوثقها بالصوت و الصورة و القلم؛ ليؤكد أنه يفنى كما الأنبياء و الصديقين والشهداء بارتقاء لا يعلوه ارتقاء, يرحل من هذه الدنيا ممتطيا صهوة جواده ليطير به إلى وعد من الله عز في علاه؛

راسما إبتسامة على محياه فرحاً بلقاء من سبقوه من الصالحين و المجاهدين الأولين, ففي موته يرفض أن يكون نمطاً اعتيادياً كما يفعل الكثير؛ لأنه اعتاد أن يكون في الصفوف الأولى في كل شيء ؛ لأنه حقاً كما عرفناه منذ البداية بجامعة عمر المختار بمدينة البيضاء بالجبل الأخضر فارساً حراً أميناً.

هو أخي وصديقي وزميلي؛ الشهيد الحي فينا (أبو محمـود) عادل مصطفى الطرابلسي القادم من مدينة الجمال والمعرفه والثقافه والتصوف العذري (درنــــــه)؛ إلى مدينة البيضاء الخلابه ذات العبق المنثور في جنبات وديانها جاء للبيضاء رغبة في نيل العلم من جامعتها العريقه، فما عرفنا عنه إلا الجد والمثابره ولم نرى له قط وجها عبوسا- فعادل -رحمه الله عرف بإبتسامته الهادئه الوادعه التي تخفي في ثناياها قلبا مكلوما موجوعا لما آل إليه حال البلاد والعباد ..

منذ أن عرفت عادل وهو مثالا و طرازاً آخر من الشباب الممتلىء بالحيوية والحركة والنشاط؛ ملك التميز على مَن كان هناك من طلبة درنـــه المتميزين أصلاً بين طلبة مدن ليبيا الذين تعج بهم جامعة المختار؛ وفي شخص عادل جزءٌ كبيرٌ من خصوصية الوطن؛ وآخرٌ أكبر من عذوبة أهل درنــــه وخفة ظلهم وسعة صدرهم وطيب مقامهم و كثرة كرمهم وسرعة نخوتهم ؛كما كان سفيراُ مميزا لدرنــــه بجامعة المختار؛

ففي جلسته لا تسمع إلا ما يرضيك؛ وتطرب على ما يقول من طيب الكلم؛ يغزوك بنظرات عينية الوادعتين يستشعر بطيبته وحسن نيته ما تريد أن تبوح به؛ ويوفر عليك جهدك ولاسيما إن كنت تطلب عوناً أو شرح محاضرة أو طلب علما شرعيا فوالده العالم الجليل - مصطفى الطرابلسي رحمه الله فقد نهل عنه الكثير من العلوم والمعارف إضافة لطيب الترحاب وحسن الضيافة والوفاده..

ففي الكرم تشهد لك يا عادل موائد رمضان ومطبخ بيتك الدرناوي؛ ودعوات التبرع والمساعده لإخوانك الطلاب المستورين في الخفاء, وفي النخوة والجسارة؛ تعرفك باحات جامعة المختار وقاعات "قسم التربة والمياه بكلية الزراعه" وأذكر لك مشيتك البهية المتواضعه؛ من الكلية لبيت الطلبه (البعوث) وإبتسامتك لاتفارقك أينما حللت.

وأذكر كيف كنت من المُداومين في أول مصلى ببيت الطلبه (البعوث), و لا أنسىلك أبداً تصوفك في الانتماء - لدرنــه حتى النخاع وحبك لها بعمق الطفل الوليد في حضن أمه الحنون؛ ولا أنسى زيارتك لنا ببنغازي وشغفك بالعلم وطلبه وزيارتك لعلماء ومشائخ مدينة بنغازي للسلام عليهم إحتراما وإجلالا وتقديرا لهم وللعلم الذي في صدورهــم فكانوا يحملونك السلام للوالد العالم الشيخ مصطفى الطرابلسي وكم كنت أرى الفرح في عينيك حينها يتلألأ.

لكنهم قتلوك يا ( أبو محمــود ) ……. قتلوك لأنك على النقيض منهم يا "عادل"؛ فأنت الحقيقة والرأي والموقف؛ وهم الكذب والعربدة والخوف؛ قتلوك لأن وجودك يلغي وجودهم؛ وصوتك يقهرهم؛ وأنفاسك تخنقهم؛ و حركتك تسجنهم؛ قتلوك لأنك الشاهد الأول على مهانة كرامتهم.

قتلوك لأنك ابن حركة الإخوان المسلمين الليبيه التي أزعجتهم بفكرها الوسطي المعتدل ..فلا التقاء بينكم في الدنيا والآخرة, أبعدوك عن الحياة كي يستمروا في كذبهم وغيهم و بطشهم؛ واغتالوك لأنك ظهرت باسماً و أنت تؤرخ لحركة الإخوان بليبيا وتبينه للعالمين؛ اغتالوك لأنك رسول دعوة الإمام البنا رحمه الله التي فشلوا في اغتيالها.

هكذا يكون موتك (أبو محمــود ) …… تموت يا عادل بكبرياء؛ تموت كالرجال وقوفاً ؛كباسقات النخل في سواني درنــه الحبيبه؛ لتقبل أرض طرابلس الجهاد كما فعل الأنبياء و الأولياء و الصالحون؛ وتسقط في سجن (بو سليم) لتختصر المسافات؛

وكأنك تعيد توحيد البلاد في حقيقة الجرح العميق المكابر؛ وتؤكد وجود النزف؛ ليتنبه الناس جميعاً كي يُضمدوا جراحهم فيك ؛ ليسيروا على درب دعوة الإمام الشهيد البنا الذي اغتالته نفس اليد الآثمه التي اغتالتك ويكشفوا سوء وجه الظلم والقهر والكبت لدعوة الله.

في درنــــه أنت وُلدتَ؛ وعلى أرضها تربيتَ؛ وسكنت فيك قبل أن تسكن فيها,ليكون العناق ويستمر لتظل ريح الوطن فيك باقية؛ دون أن تدري كيف يصير بينكما الحب جنون, فتبتعد عن - درنـــه - في طرابلس (أبو سليم) بالجسد الذي بات بلا حراك بعد أن اغتالوك.

ولكنك تقترب منها أكثر بروحك حينما يتذكرك أهلك وجيرانك وولدك الوحيد وكل خلانك وأحبابك؛ في إشارة إلى الانتماء الذي لا يغيب بفعل السفر؛ فتحكمك قيم الرجولة بعد أن غابت المبادىء بما دبر الشيطان والأشرار, ولا تقفَ عند هذا بل و تستمرَ في صنع الحلم الذي تمنيته؛ وهو حياة شريفة أو شهادة تُعزُ فيها عند المولى؛ لتحوزَ الأولى وتفوزَ بالثانية؛

فتنشرح أساريرك بينما روحك تصعد إلى السماء في سلام و طمأنينة؛ ويرقد الجسد على الأرض والدم ينزف؛ ليكتب قصة فارس عاش بطلاً وترجل شهيداً وهو يقرأ رسالته التي بدأها و علينا أن نكملها.

ملاحظه :

يحدثني من كان مع اخينا عادل رحمه الله في الزنزانة بأنهم قابلوه في التحقيق بتهمة الانتماء الي جماعة الاخوان المسلمين فانكر وثبت ثبات الجبال الرواسي, وقال لي بأن الاخ عادل رحمه الله كان يعاني من مرض السكر ومن كثرة التعذيب أصبح ظهره ملئ بالجروح والدمامل ولأنه مريض بالسكر فلم تلتأم وأصبحت تنزف باستمرار الي أن خرجت منها روائح كريهة واستمر به الحال هكذا وبين الفينة والأخري يستدعى إلي التحقيق ولايتكلم ببنت شفه, إلي أن تم تحويله يوم 25.09.1995 إلي السجن المركزي وبقي فيه إلي أن لقى ربه شهيدا في المذبحة المشؤمة في يونيو 1996.

اللهم اغفر له وارحمه رحمة من عندك ياارحم الراحمين
الأحد 22 , يونية , 2018, 18:30 توقيت القاهرة
أدوات شخصية

المتغيرات
أفعال