جماعة الإخوان بين مرحلة التعريف والتكوين

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
جماعة الإخوان بين مرحلة التعريف والتكوين


لم يخل الزمان من وجود مصلحيين صدحوا بالحق بين الناس، وسعوا للتغيير من مناظير مختلفة، وهو ما وضع جماعة الإخوان المسلمين على رأس هذه الحركات الاصلاحية. فعلى الرغم من الجهود التي سطرها التاريخ للشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا وغيرهم في العصر الحديث، إلا أن حسن البنا تميز عنهم بالنزول إلى الجماهير، وبناء حركة شعبية قوية، وتبني العمل الحركي الجماعي بجانب التنظير والتعليم، وقد اتخذ التربية وسيلة لبناء جيل قوي وتنظيم صلب.

لقد كان الأفغاني يرى الإصلاح عن طريق الحكم، ويراه محمد عبده عن طريق التربية.. وقد استطاع حسن البنا أن يدمج الوسيلتين مَعًا، وأن يأخذ بهما جميعًا، كما أنه وصل إلى ما لم يصلا إليه، وهو جمع صفوة المثقفين من الطبقات والثقافات المختلفة إلى مذهب موحد، وهدف محدد!!

فأخرج أجيالا وصفها الكاتب الصحفي إحسان عبدالقدوس بقوله - عندما زار مقر الإخوان في الحلمية عام 1945م:

"هم شباب مودرن لا تحس فيهم الجمود الذي امتاز به رجال الدين وأتباعهم ولا تسمع في أحاديثهم التعاويذ الجوفاء التي اعتدنا أن نسخر منها، بل إنهم واقعيون يحدثونك حديث الحياة لا حديث الموت، قلوبهم في السماء ولكن أقدامهم على الأرض، يسعون بها بين مرافقها ويناقشون مشاكلها ويحسون بأفراحها وأحزانها".

كما تميزت جماعة الإخوان عن غيرها وفي مختلف أطوارها ومراحلها بقوة الشخصية، والتي خلفت وراءها دعوة واضحة المعالم، كثيرة الأتباع، واسعة الانتشار، عظيمة الأثر. هل كان لابد من مرحلة التعريف؟ لم يكن حسن البنا من الشخصيات المعروفة وقت تأسيسه جماعة الإخوان المسلمين، كما أن جماعته ظلت مبنية للمجهول سنوات طويلة، وهو ما عبر عنه بقوله: "أحبّ أن أصارحكم بأنّ دعوتكم ما تزال مجهولة عند كثيرين من الناس"، ولذا سعى للانتشار في مدن ونجوع القطر المصري يعرف الناس بطبيعة دعوة الإخوان المسلمين.

اعتمدت مرحلة التعريف على نشر الفكرة العامة بين الناس، وارتكزت على الوعظ والإرشاد تارة وإقامة المنشآت النافعة تارة أخرى، إلى غير ذلك من الوسائل العلمية والعملية بهدف صناعة القاعدة الشعبية والجماهيرية للجماعة، وقد وصف الإمام البنا ذلك بقوله: فالدعوة والإقناع والتعريف من وسائلنا.

وقال في موضع أخر:

أعتقد - أيها الإخوان الكرام - أن لكل عمل لابد له من أساس يرتكز عليه، ويستند حين الحاجة إليه، وما لم يكن هذا الأساس ثابتًا فإن العمل يكون مضطربًا منهارًا، ودعوة الأمم إلى الحق لابد أن ترتكز على أسس من أثبت الأسس ودعائم من أقوى الدعائم وبغير ذلك فهى مخفقة لا محالة. لابد من وضوح الفكرة وتحديدها تحديدًا لا يدع فيها مجالاً للبس أو غموض أو تشعب ولابد من المؤمنين المخلصين الذين يحملون عبء الدعوة وينهضون بمطالبها وحقوقها. (1).

وكان من منهج البنا التخطيط ووضع الاستراتيجيات والرؤى المستقبلية وهى من المميزات التي دفعت بدعوته للنجاح، ولذا وضع الأطر والمنهج الذي تسير عليه جماعته فقال:

من هنا انقسمت الطرق الطبيعية لكل دعوة إلى المراحل الثلاث:

  1. تعريف بالدعوة يحدد فكرتها ويوضح غايتها.
  2. وتكوين يضم صفوف المؤمنين بها ويعدهم لمطالب العمل لها.
  3. وتنفيذ يصل بهم إلى ما يريدون منها.

على هذا الأساس قامت دعوتنا - معشر الإخوان المسلمين - بتعريف الناس بالدعوة في المحاضرات العامة والحفلات الجامعية والجلسات الخاصة والرسائل الكثيرة والمطبوعات المتوالية والجريدة السيارة وهكذا، في صفوف منتظمة وشعب مفتوحة وخيام مضروبة ورحلات متلاحقة وأسفار متواصلة (2)

وبعد مرور عدة سنوات كانت الدعوة قد بلغت أقصى البلاد، وتعدت الحدود إلى بعض البلاد العربية والإسلامية، فكتب الإمام البنا رسالة شاملة للتعريف بدعوة الإخوان والتأكيد على رسالتها الشمولية الوسطية، فكتب تحت عنوان "التعريف بالإخوان المسلمين" فقال: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِىَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِىَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ﴾ "الأحقاف: 31- 32".

بسم الله الرحمن الرحيم ،الله أكبر ولله الحمد، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

"مشرق الفكرة"

خلال عام 1346 الهجرية، وعام 1928 الميلادية ظهرت فكرة الإخوان المسلمين دعوة عملية بعد أن كانت عاطفة روحية تأخذ على نفوس العاملين بها كل سبيل فهى بذلك فى سنتها السابعة عشر.

والإخوان المسلمون: غايتهم إنهاض العالم الإسلامي وتوجيه نهضته إلى الاعتماد على الأصول الإسلامية الصحيحة لتكون كل مظاهر حياة الأمة منطبقة على قواعد الإسلام الصحيح.

والإخوان المسلمون: يعتمدون فى تحقيق غايتهم على التربية والثقافة، فالتربية بإلزام الأعضاء العاملين التمسك بتعاليم الإسلام وشعائره والثقافة بنشر المدارس: الأقسام الليلية والنشرات والمحاضرات وأقسام المحافظة على القرآن الكريم.

والإخوان المسلمون: لا يعنون بالمظاهر والأشكال الإدارية ولكنهم يعنون بالخلق والمبدأ والعقيدة، وهم جماعة واحدة مهما تعددت الأماكن والأوطان وزاد عدد الإخوان.

وهى فكرة جامعة لأنها تستمد من الإسلام، تستغنى بها عن غيرها ولا تستغنى بشىء عنها، أخذت من كل شىء أحسنه، وابتعدت عن مزالفه وأخطائه أخذت من الأحزاب السياسية الغيرة الوطنية والحماسة الإصلاحية، وطرحت تنابذها وأحقادها والنفعية والوصولية فيها إذ إنها تتصل بالله وتستغنى به عمن سواه ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ "المجادلة: 22".

وأخذت من الطرق الصوفية روحانيتها وإخاءها، وتركت فرديتها واعتزالها فهى مقام الجمع بعد الفرقة و﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ "الجمعة: 4". وأخذت من الجماعات والأندية بأنواعها دقة نظامها وتركت شكلياتها وتورطاتها وأخذت من الهيئات الرياضية خفتها ونشاطها وطرحت غفلتها ولهوها وماديتها ومجونها ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ "البقرة: 247".

مراحل الطريق: منهاج مرسوم وخطوات منتظمة محدودة غير متروكة للمصادفات أشبه ما تكون بالدعوة الأولى فهى:

  1. دعوة ﴿يأيها الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ "المدثر: 1-2".
  2. وتعريف ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ "الحجر: 94".
  3. وتكوين ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ "الأحزاب: 23".
  4. وتنفيذ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ "الحج: 39".

والوسيلة الفردية:

"أصلح نفسك وادع غيرك".

والوسيلة العامة:

أ. تحويل العرف العام.
ب. الطرق الدستورية.
ج. العمل المنتج.

الدعائم: الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن طريقنا، والآخرة عقيدتنا، والجهاد وسيلتنا، والحرية أمنيتنا، والوحدة وجهتنا، والإمامة سياستنا، والدعوة مهمتنا، والسلام غايتنا.

والواجبات: حمل شارتنا، وحفظ عقيدتنا، وقراءة وظيفتنا، وحضور جلستنا، وإجابة دعوتنا، وسماع وصيتنا، وكتمان سريرتنا، وصيانة كرامتنا، ومحبة إخواننا، ودوام صلتنا.

النكبات: الاستعمار، والخلافات السياسية والشخصية، والربا والشركات الأجنبية، والتقليد الغربي، والقوانين الوضعية، والإلحاد والفوضى الفكرية، والشهوات والإباحية وفساد الخلق، وإهمال الفضائل النفسية، وضعف القيادة وفقدان المناهج العلمية.

المنتجات: الحرية، والوحدة، وتنظيم الزكاة، وتشجيع المشروعات الوطنية، واحترام القومية، والعمل بالشرائع السماوية، وتثبيت العقائد الإيمانية، وإقامة الحدود الإسلامية، وتقوية الفضائل الخلقية، وإتباع السيرة المحمدية.

الكلمات: يجب أن يعلم الأخ المسلم أن الإسلام عقيدة وعبادة ووطن وجنسية وسماحة وقوة وخلق ومادة وثقافة وقانون.

ونؤمن: بالله وبالغاية وبالمنهاج وبالأسوة وبالقدوة وبالجزاء وبالوراثة وبالجماعة وبالقيادة وبالنصر.

ونتحلى: بالصدق والوفاء والشجاعة والسخاء والحلم والحياء والعفة والصفاء والعدالة والمضاء.

ونتعبد: بالتوبة والتذكر والتلاوة والعلم والكسب والصلاة والصدق والدعوة والجهاد والتطهر (3)

أدرك حسن البنا أن نجاح فكرته وانتشارها وسط الناس تتحقق بالأخذ بجميع الوسائل المتاحة للوصول بفكرته لكل الناس، وهو ما نجخ فيه بالفعل سواء عن طريق الصحف والمجلات أو المؤتمرات، او الخطب في المساجد، أو الزيارات الشخصية، وهو ما عبر عنه بقوله: غايتنا من الجريدة نشر الثقافة العامة، وتعريف غير الإخوان بالإخوان وبمناهج الإخوان، وإيصال فكرة الإخوان إلى رجال الإصلاح الرسميين وغير الرسميين؛ ليعملوا معهم على تحقيقها وإنفاذها (4)

كان الإمام حسن البنا صريحا وواضحا في التعريف بجماعته ولذا لاقت القبول من قبل الجميع سواء الشباب أو الشيوخ حتى الطبقات المثقفة، فقد أعلن البنا عن أهداف الجماعة أكثر من مرة، حتى أنه ظل يكررها في كثير من مؤتمراته بأنها:

  1. أن يتحرر الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي وذلك حق طبيعي لكل إنسان لا ينكره إلا ظالم جائر أو مستبد قاهر.
  2. أن تقوم في هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة قوية تعمل بأحكام الإسلام وتطبيق نظامه الاجتماعي وتعلن مبادئه القويمة وتبلغ دعوته الحكيمة للناس. (5)

كانت هذه الأهداف الواضحة سببا في الصدام مع المستعمر وأعوانه في نظم الحكم في الوطن العربي والإسلامي، حيث خشى المستعمر أن يحيي حسن البنا بدعوته جذوة الجهاد في نفوس المسلمين فيهبوا لمحاربته وإخراجه من بلادهم، ولذا استعمل كل السبل لتشوية هذه الدعوة سواء بالتهديد أو الاغراء أو القوة وغيرها.

لم يقتصر الإمام البنا على التعريف بدعوة الإخوان وأهدافها بل عمد للتعريف بالمخاطر والأوضاع التي تحيط بالمواطنين، ففضح الساسة بالأرقام التي كانوا يحاولون إخفائها عن المواطن حتى لا يتهمهم بالفساد والتقاعس، حيث طرق الإمام البنا أبواب أوضاع البلاد الاقتصادية والاجتماعية وحاول إيقاظ الوعي العام لدى الشعب فقال: أيها الإخوان إن أكثر من 60٪ من المصريين يعيشون أقل من عيشة الحيوان، ولا يحصلون على القوت إلا بشق النفس ..

وأن مصر بها أكثر من 320 شركة أجنبية تحتكر كل المرافق العامة وكل المنافع الهامة في جميع أنحاء البلاد، وأن دولاب التجارة والصناعة والمنشآت الاقتصادية كلها في أيدى الأجانب والمرابين وأن الثروة العقارية تنتقل بسرعة البرق من أيدى المواطنين إلى أيدى هؤلاء، وأن مصر أكثر بلاد العالم المتمدين أمراضًا وأوبئة وعاهات .. وأن مصر لم تستطع إلى الآن أن تجهز فرقة واحدة من الجيش كاملة المعدات وأن هذه المعاني والصور تتراءى فى كل بلد من بلدان العالم الإسلامي فمن أهدافكم أن تعملوا لإصلاح التعليم ومحاربة الفقر والجهل والمرض والجريمة وتكوين مجتمع نموذجي يستحق أن ينتسب إلى شريعة الإسلام. (6)

ولقد حاول – ومازالوا – يشككون في أهداف الإخوان وحاولوا حصر منهجهم في المسجد والعبادة فحسب، غير أن الإمام البنا – ومن منهجه التعريفي المستمر بالفكرة – ظل يكرر أن منهج وفكر الإخوان شامل لا فرق بين جانب وأخر، حيث يقول مؤكدا: إن رسالة الإخوان رسالة إسلامية جامعة، والمعاني الوطنية- أو إن شئت السياسية- من صميم ما جاء به الإسلام، فلا تنتهى رسالة الإخوان حتى يستقيم أمر المجتمع المصري في كل شؤونه –ومنها هذه الشئون السياسية- على قواعد الإسلام وتوجيهاته! (7)

لكن هل تحقق لحسن البنا والإخوان ما كانوا ينشدونه من مرحلة التعريف – التي بقيت في بداية الدعوة 10 سنوات بل استمرت حتى يومنا هذا – من انتشار بين الناس والتعرف على أهدافها ومبادئها؟

هذا ما أجاب عليه الإمام البنا نفسه في إحدى رسائله بقوله: التعريف:

ويراد بها نشر الفكرة بين الناس، وإفهامهم إياها بصورة عامة، وتعرف القائمين بها إلى الشعب، وقد يكون من خطة العاملين للفكر والدعوات الابتداء بالتكوين أولاً، ثم بعد ذلك الإعلان، وتلك طريق طبيعية، ولكن دعوة الإخوان نشأت فى ظروف خاصة، وأحاطت بها أسباب خاصة جعلتها تبدأ بالتعرف إلى الشعب كله، ثم تسلك بعد ذلك طريق التكوين، ثم التنفيذ. هل نجحنا فى هذا الدور؟ وإلى أى مدى كان هذا النجاح؟ وما الوسائل التى اتخذناها؟ وهل تمت هذه المرحلة؟
أما إننا نجحنا فى هذا الدور فنعم والحمد لله نجاحًا نحمد الله عليه، ونسأله المزيد منه، وإلى مدى بعيد فقد طفنا القطر من أقصاه إلى أقصاه، ودرسنا حواضره ومدنه وقراه، واتصلنا بأبنائه من كل الطبقات، وامتدت أشعة هذه الدعوة المباركة إلى الأقطار الخارجية شرقية وغربية، وصار لنا دعوة ودار في كل مكان، واسم يتردد على كل لسان، وأصبحت دعوة الإخوان أملاً. (8)

ويضيف:

لم نتخذ في هذه المرحلة من وسائل إلا الدروس والمحاضرات والكتب والنشرات والأسفار والرحلات، ولكنها دروس لا كدروس الناس، ومحاضرات لا كمحاضراتهم، وأسفار غير ما يتصورون، وبأسلوب غير الأسلوب الذى يعرفون، والحمد لله الذى هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

ذلك إلى مساهمة الإخوان في شئون الخير العام من عمارة المساجد، والبر بالفقراء، وتقديم المذكرات الإصلاحية، وغير ذلك من الشئون التي تدخل في صميم الخير العام، وتقوى هذه المرحلة من مراحل الدعوة، وبهذا نستطيع أن نقول: إن هذه المرحلة قد تمت وفرغنا من العناية بها، وإن كان لا يفوتنا أن نعمل دائبين على استمرار نشر الدعوة، وتأسيس الشعب، ودور الإخوان، وتقوية أنديتهم ومشروعاتهم فى كل مكان ما وجدنا السبيل إلى ذلك إن شاء الله. (9)

وقد التبس الأمر على كثير من الباحثين بأن مرحلة التعريف منفصلة عن مرحلة التكوين، لكن الإخوان حرصوا على مدار تاريخهم بجميع المراحل جنبا إلى جنب، وهو ما أكده الإمام حسن البنا في رسالة المؤتمر الخامس بقوله: وكثيرًا ما تسير هذه المراحل الثلاث جنبًا إلى جنب نظرًا لوحدة الدعوة وقوة الارتباط بينها جميعًا، فالداعي يدعو، وهو في الوقت نفسه يتخير ويربى، وهو في الوقت عينه يعمل وينفذ كذلك .. ولكن لاشك في أن الغاية الأخيرة أو النتيجة الكاملة لا تظهر إلا بعد عموم الدعاية، وكثرة الأنصار، ومتانة التكوين. (10)

مرحلة التكوين وتربية الأفراد

لم تكن لجماعة الإخوان المسلمين وأفرادها في مختلف الأقطار لتثبت أمام موجات الاضطهاد والتنكيل العاتية التي مارستها ضدهم الأنظمة والحكومات والأحزاب والتيارات الأخرى لولا مرحلة التكوين وخصائها التي سعت لتربية الأفراد تربية حقيقية على معاني وتعاليم الإسلام الصحيح، وهو ما ميز جماعة الإخوان عن الحركات السابقة لها كحركة الأفغاني أو محمد عبده وغيرهم، كما ميزتها عن الأحزاب السياسية التي كانت تهدف لتربية أجيال لهم نفوذ في السياسية حتى ولو سلكوا كل مسلك واستخدموا في ذلك النظريات الميكافيلية.

فبعدما بلغت الدعوة كل مدينة وقرية وشارع، وسمع بها القطر كله، والتحق بها مئات الآلاف وهو الوصف الذي وصف به الكاتب الصحفي إحسان عبدالقدوس الإمام حسن البنا بقوله:

الرجل الذي يتبعه النصف مليون .. حيث كتب على مدى انتشار دعوة الإخوان مقالا نشرته مجلة روزاليوسف قال فيه: اركب أي سيارة أجرة وقل للسائق: "الإخوان المسلمين يا أسطى"، ولا تزد، ولن يلتفت إليك السائق ليسألك: ماذا تقصد بالإخوان المسلمين؟ ولا أين تقع هذه الدار التي يطلق عليها هذا الاسم؟ بل سيقودك إلى هناك دون سؤال، بعد أن يرحب بك بابتسامة لم تتعود أن تراها على وجوه سائقي سيارات الأجرة، وقد يرفض أن يتناول منك أجراً. ولا شك أنه سيُحمِّلك سلامه – قبل أن تغادره – إلى فضيلة الأستاذ حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين. (11)

لقد كثرت الأعداد المنتسبة إلى جماعة الإخوان غير أنه ومع مرور الوقت شعر الإمام البنا بأن بعضهم لا ينتسب للإخوان إلا لاسمهم، ولا يعمل معهم إلا طمعا في مغرما أو منصب، ولذا كان لزاما عليه وضع أطر تميز بين الذين يحملون الدعوة ويضحون من أجلها وبين الذين انتشبوا لها من اجل منصب، ومن ثم كانت مرحلة التكوين والتربية التي على إثرها تشكلت الأسر التربوية، وقد وصفها الإمام البنا بقوله: إن أهم مراحل دعوتكم هذه المرحلة التي تجتازونها الآن "مرحلة التكوين" مرحلة تربية الشعب على قواعد الإسلام وتعاليمه، وصبغ النفوس أولاً بصبغة الله وتوجيهها إلى الخير العميم.

انصرفوا - أيها الإخوان - إلى تربية أنفسكم، وتربية الشعب معكم حتى تصلوا من ذلك إلى الحد الذى يطمئنكم، وحينئذٍ يأتيكم النصر من كل مكان. (12)

ويقول في موضع أخر:

يا قومنا إن الأمم كلها تستعد وتتكون وتتلمس لذلك الوسائل، وقد وهب لكم الله من دينكم من التربية والتكوين ما لم يهبه لغيركم، فاعملوا على تربية أنفسكم وتكوين أرواحكم وتوحيد صفوفكم.

كان شعار هذه المرحلة:

الإيمان العميق، والتكوين الدقيق، والعمل المتواصل، وبالفعل أتت هذه المرحلة ثمارها خاصة في المحن التي واجهتها الجماعة في العهد الملكي أو العهد الجمهوري حتى بعد انقلاب السيسي على أول تجربة ديمقراطية يقودها الشعب والإخوان عام 2013م.

لقد حدد الإمام البنا من المقصد من سلوك سبيل التربية المباشرة وعدم الاعتماد على الخطب في المؤتمرات أو الوعظ في المساجد معتبرا أن هذه الأمور لا تخلق جيلا يستطيع تحمل تبعة المسئولية، فيقول في رسالة المنهج: ويقصد بمرحلة التكوين، أو الدعوة الخاصة استخلاص فريق ممن عرفوا الدعوة واستجابوا لها، يفهمون الفكرة حق الفهم، ويطبقونها على أنفسهم ومن يليهم تمام التطبيق، ويستعدون لحمل أعبائها، والبذل في سبيلها، يمدهم ويؤازرهم بعض الخاصة من كبار الأمة ورجالها البارزين. وهذه المرحلة هى في الواقع أهم مراحل الدعوة، وعلى قوة العمل فيها أو ضعفه يتوقف نجاحها. (13)

ومع كون هذه الخطوة جاءت من الإمام البنا لتربية الصف وتقوية الروابط بينهم وخلق جيل واعي مثقف الفكر، سليم العقيدة، متين الخلق، صحيح العبادة، حريصا على وقته، منظما في شؤونه، نافعا لغيره، إلا أنه كان حريصا أيضا من خلال مراحل أخرى وضعها لإيجاد جيل مسلم خارج صفوف الإخوان، فقال في ذلك: منهج الإخوان الإصلاحي يرتكز على قواعد الإسلام وتعاليمه، وهم يريدون سيادة الفكرة الإسلامية، وهيمنتها على كل مظهر من مظاهر حياة الأمة، مع الانتفاع بكل جديد لا يتنافى معها.

ومهمة الإخوان المسلمين "تكوين الأمة المسلمة" والاضطلاع بعبء تبليغ دعوة الرسول الأعظم من جديد. والإصلاح الذى ننشده يتناول كل نواحي الحياة في الأمم الإسلامية عامة وفى مصر على الخصوص.(14) وكان شديد الوضوح في رسالة التعاليم حينما قال: التكوين باستخلاص العناصر الصالحة لحمل أعباء الجهاد.

وقال في موضع أخر:

إنكم دعاة تربية، وعماد انتصاركم إفهام هذا الشعب وإقناعه وإيقاظ شعوره، وبعث حيويته وتربيته تربية جديدة، من كل نواحيها على قواعد الإسلام وتعاليم الإسلام ومبادئ الإسلام، وهذه غاية لا تدرك في أيام، ولا تنال بأعوام قليلة، ولكنه الجهاد الدائب والعمل المتواصل والغوص في أعماق القرى والبلدان، ومقاتلة جيوش الجهالة والأمية والمرض والأحقاد والأضغان. (15)

كانت أول وسيلة تربوية عملية قام بها الإمام البنا هي تجميع أفراد الصف في كتائب تربوية وذلك كان في سبتمبر من عام 1937م، حيث ذكر في رسالة المنهج أن الغرض من تكوين هذه الكتائب والمعسكرات تخريج صنف ممتاز من الشباب الإسلامي يقوم بعبء الدعوة، ووسيلة ذلك الدرس والتربية الروحية والرياضية.

غير أن هذا النظام لم يحقق ما كان يرنوا إليه الإمام البنا في مرحلة التكوين والجانب التربوي، ولذا ما إن شكى له بعض الإخوة من انتهاج بعض أفراد الصف لسلوكيات برزت فيها نعرة العصبية والبعد عن السلوك الإسلامي، بالإضافة لذلك الاضطهاد الذي بدأت الجماعة تتعرض له مثل غلق جميع الشعب عام 1943م ومراقبة المركز العام من قبل وزارة الوفد، ولذا أقدم الإمام البنا على تطبيق نظام الأسر التعاونية التربوية، حيث رسم خريطة وأهداف هذا النظام التربوي بقوله: وأركان هذا الرباط ثلاثة، فاحفظها واهتم بتحقيقها حتى لا يكون هذا تكليفًا لا روح فيه: التعارف، والتفاهم، والتكافل. (16)

فقد كان الافتتاح السريع للشعب، وتولى مجالس إدارتها عناصر لم تتشرب الدعوة بعد، واهتمام هؤلاء بالنواحي الإدارية والشكلية دون الاهتمام بالتربية والتكوين دور كبير في الاتجاه القوي نحو التربية، خاصة بعد أن غصت الجماعة بمن بهرته الأحفال والمؤتمرات والحديث عن الإخاء والحب في الله والاجتماع عليه ولم يقدم على التضحية والعمل وبذل الجهد في سبيل نشر الفكرة. كما شدد الإمام البنا على جميع شعب الإخوان بالأخذ بالشأن التربوي

فكان من قرارات مجلس الشورى الثالث ما نصه:

على المكاتب والهيئات الرئيسية لدوائر الإخوان المسلمين أن تعني بتربية الإخوان تربية نفسية صالحة تتفق مع مبادئهم وتميز هذه المبادئ في نفوسهم (17)

لقد كانت مرحلة التكوين مرحلة أفرزت صنف عاش يحمل أمانة الإسلام، ويبذل من ذات نفسه، وقوت أولاده، وعصارة حياته، يعمل جاهدًا في تكوين نفسه، وصياغة بيته على أساس دينه، ويتحرى وجه الحق ما استطاع إلى ذلك سبيلا، نوره من كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وعمله موجه إلى خالقه، لا يبتغى به عند الناس جاهًا، ولا في الأرض مقامًا، ولا بين الإخوان منصبًا، يعيش بين العاملين تقيًا خفيًا، يطلع الله من عمله على أكرم مما يطلع عليه الناس، ويضحى ويجاهد في طمأنينة الذاكرين وسكينة المؤمنين.

هذا الصنف الذي ترجمه كثيرا من الإخوان بصورة عملية كما حكاها الدكتور عبد العزيز كامل – وزير الأوقاف الأسبق وأحد قادة الإخوان في عهد الإمام البنا – بقوله: صاحبت أخًا كان يقتسم راتبه مع أخ من إخوانه تعطل عن عمله، وسأله ذات يوم: كيف استطعت أن تنظم أمرك بنصف مرتبك؟ فابتسم قائلا: وكيف يعيش أخي دون مرتب؟. (18)

لم يكتف الإمام البنا بذلك بل سعى لتقسيم الإخوان حسب المستويات التربوية إلى شرفيون ومنتسبون وعاملون.

  • أما الأعضاء الشرفيون: وهم ذوو الحيثيات الاجتماعية والأدبية الذين يعطفون على الدعوة في محيط الشعبة، ويقدمون لها بعض المساعدات المادية أو الأدبية.
  • والأعضاء المنتسبون: وهم الإخوان المعجبون بالدعوة، والذين يقدمون لها مساعدات مادية أو أدبية، ولكنهم لم يتقيدوا بعد بتوجيهاتها الروحية والعملية، ولم يشتركوا اشتراكًا فعليًا في ميادين نشاطها العملي.
  • أما الأعضاء العاملون: وهم الإخوان الذين بايعوا الله على العمل بتوجيهات الدعوة والتمسك بتعاليمها والجهاد في سبيلها، واشتركوا اشتراكًا منظمًا في نواحي نشاطها مهما كانت حيثياتهم الاجتماعية ومؤهلاتهم العلمية، وقد التزم الأعضاء العاملون بنظام الأسر (19)

لقد وضع الإمام البنا نظم مختلفة في التربية لإخراج صف إسلامي يتمتع بالفهم الصحيح للإسلام، تربط الأخوة بين لبناته، ويتكافل عند الشدائد والمحن؛ وهو ما يترجم عمليا الآن في صفوف الجماعة كلما مرت بها محنة عاتية وابتلاء لا يقوى عليه إلا أصحاب الهمم العالية.

المراجع

  1. مجلة النذير، العدد (34)، السنة الأولى، 3 ذو الحجة 1357ه - 24 يناير 1939م، صـ11.
  2. مجلة النذير: المرجع السابق
  3. جريدة الصعيد الأقصى، العدد (464)، السنة العاشرة، 20 ذو الحجة 1364ه - 25 نوفمبر 1945م، صـ5.
  4. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (1)، السنة الرابعة، 22 محرم 1355ه - 14 أبريل 1936م، صـ4.
  5. جريدة البشرى، العدد (399)، السنة الخامسة عشرة، الأحد 27 ربيع الآخر 1364ه - 31 مارس 1946م، صـ1.
  6. جريدة البشرى، المرجع السابق.
  7. مجلة روزاليوسف – العدد 946، 31/7/1946، صـ2.
  8. مجموعة رسائل الإمام البنا: رسالة المنهج، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 2006م، صـ277.
  9. المرجع السابق.
  10. رسالة المؤتمر الخامسالإمام الشهيد حسن البنا، صـ376.
  11. مجلة روز اليوسف العدد (900) بتاريخ 11 سبتمبر 1954م.
  12. مجلة النذير ، العدد (34)، السنة الأولى، 3 ذو الحجة 1357ه - 24 يناير 1939م، صـ11.
  13. رسالة المنهج: مرجع سابق.
  14. رسالة المنهج: مرجع سابق.
  15. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الخامسة – العدد 4 – 2 ربيع الثاني 1356هـ / 11 يونيو 1937م.
  16. رسالة نظام الأسر: مجموعة رسائل الإمام البنا، صـ585.
  17. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الثانية – العدد 42 – 23 ذي الحجة 1353هـ / 28 مارس 1935م.
  18. جمعة أمين عبدالعزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، جـ5، دار التوزيع والنشر الإسلامية، صـ161.
  19. نشرة إدارية عامة رقم (2): المركز العام – قسم المراقبة العامة – غرة رجب 1363هـ / يونيو 1944م.