كيف أفشل العسكر الدولة المصرية: استولى العسكر على الاقتصاد والسياسية فافشلاهما

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
كيف أفشل العسكر الدولة المصرية: استولى العسكر على الاقتصاد والسياسية فافشلاهما .. وسيسوا الجيش فخسر كل حروبه


د. عبد الحي زلوم

(27/10/2016)

مقدمة

الطبيب المصري والكاتب في جريدة المصري اليوم محمد أبو الغيط كتب في 28 سبتمبر 2016 مقالاً مهماً عن أوضاع مصر الكارثية والتي تنذر ببركان شعبي قادم لا محالة. أهم ما في المقال اعتماده على المعلومة والرقم والتي ربما يكون مصدرها من المركز القومي للمحاسبات الذي كان يرأسه المستشار هشام جنينة والذي تم فصله بقرار جمهوري في 28 مارس 2016 بتهمة أنه بالغ في تصريحاته عن الفساد في مصر.

بين المقال الأكاذيب التي يشيعها طابور الدولة الخامس عن أسباب أوضاع مصر الاقتصادية والاجتماعية وبين عدم صدقها بالأرقام. لكن الكاتب لم يتطرق لاسباب ذلك من بعيد ولا من قريب. ولعل من يعرف سقف الحرية في مصر يعطي الكاتب عذراً. وسأحاول هنا أن أبين هذه الأسباب، وأهمها عسكرة الدولة، والدكتاتورية التي لا تميز بين دكتاتور صالحً كان أم طالح، مما قاد إلى الانفتاح الاقتصادي والانبطاح السياسي كما في كامب ديفيد ثمّ افشال الدولة .

كانت مصر وستبقى رغم كبوتها الحالية و التي لن تدوم، محور قوة لبلاد الشام – وكانت بلاد الشام وخصوصاً فلسطين خط الدفاع الاول عن مصر. وفي فلسطين تم هزيمة التتار قبل ان يصلوا مصر . وهُزم الصليبيون في فلسطين بعد أن وحدها صلاح الدين الايوبي مع بلاد الشام . لذلك فحال مصر يخص أهل مصر والعرب أجمعين.

عسكرة الدولة بدأ بإلانقلاب المصري في 23 يوليو 1952 الذي حاول جمال عبد الناصر مخلصاً أن يُحولهُ إلى ثورة. وما زال حكم العسكر قائماً. لا يختلف الا كل حاقد أو موتور أن جمال عبد الناصر كان وطنياً من الطراز الاول وأنه قاد حركته لتحرير مصر من كل اشكال الاستعمار، وان تقاطع المصالح مع الولايات المتحدة ربما جعلتها تبارك الانقلاب قبل حدوثه، وأن قلة خبرة الشاب البكباشي جمال عبد الناصر كانت محدودة جداً فربما صدق أنها بلد يرعى الحريات كما كانت تدعي .

وعندما بدأ عبد الناصر بتحويل انقلابه الى ثورة شعبية اجتماعية ثم اشتراكية ورفض الاحلاف العسكرية، وقاوم الاستعمار ليس فقط في مصر بل وبرز كقائد عالمي من طراز تيتو ونهرو وشكل معهم حركة عدم الانحياز،عندها اصبح رأس عبد الناصر ونظامه مطلوباً من كل قوى الاستعمار .

لاشك أن عبد الناصر كان ظاهرةً وطنية نقصتها التجارب في بداية عهده ولمّا اكتملت تجاربه توفاه الله قبل تحقيق معظم طموحاته . مشاكل عبد الناصر الأساسية كانت عسكرة الجيش وتعيين ضباط الجيش في المراكز القيادية والادارية والسياسية العليا .وكان معظم كبار اركان النظام هؤلاء غارقين في ملذاتهم مع العاهرات والممثلات والجاسوسات وغُرَز الحشيش، في حين كانت المشكلة التي تشكو منها المخابرات الغربية أنها لا تعرف كيف الوصول الى عبد الناصر مباشرة لنظافة يده وترفعه عن الفجور والفسوق والفساد.

قام عبد الناصر بتحولات اجتماعية واقتصادية هامة كتعميم التعليم ومجانيته، وعمل قانون الاصلاح الزراعي والتأميم ولكن كانت خطيئته أنه عسكر إدارة الدولة واصبحت السياسة والاقتصاد بأيادي تفتقر إلى الاخلاص و الخبرة الادارية والمهنية لإدارة مؤسساتهم بنجاح ما نتج عنه سوء الأداء والانفصال بين سمو الهدف والقيادة وسوء الادارة و التنفيذ.

كان من أكبر مساوئ عبد الناصر انفراديته اي ديكتاتوريته في إتخاذ القرار إلا مع شلة ضيقة ومنهم أنور السادات وهيكل. لكن من أكبر خطاياه تعيين السادات نائباً له في الوقت الذي ذكر بوب وودورد ، وثيق الصلة بالمخابرات الأمريكية، في كتابه "النقاب" أن السادات كان قد إسّْتُقطِب للتعاون مع الــ CIA بواسطة كمال أدهم رئيس المخابرات السعودية انذاك. كذلك كانت بعض قراراته المصيرية مثل حرب اليمن واستعراض القوة في سيناء وحرب 1967 نتيجة ردود أفعال خطط لها خصومه فعرفوا أي أفعال ستثير ردود أفعاله المطلوبة فكان لهم ما ارادوا.

بعد هزيمة 1967 فقط بدء عبد الناصر يعمل بتخطيط متعلماً من اخطائه ، فغير قيادة الجيش الى قيادة محترفة ، وبنى جيشاً قوياً هو ذلك الجيش الذي حقق انتصار حرب رمضان 1973 قبل ان يحولها السادات الى هزيمة وحيث شطب السادات كافة انجازات عبد الناصر الاخرى . وكما يقولون غلطة الشاطر بألف !

حكم (الرئيس المؤمن) محمد أنور السادات مصر من سنة 1970 الى سنة 1981، حيث مسح كل انجازات عبد الناصر، وجاء بالانفتاح الاقتصادي الذي عظّم الفساد و دمر مصر وبالانبطاح السياسي في كامب ديفيد والذي اخرج مصر من محيطها العربي وكاد يخرجها من التاريخ لولا جذورها العميقة فيه. ثم ّ حكمها محمد حسني مبارك من سنة 1981 الى سنة 2011 وحكمها عبد الفتاح السيسي من يونيو 2013 الى اليوم.

أين ذهب العسكر بالاقتصاد المصري

كتبت الاستاذة المصرية د. زينب أبو المجد في شهر أكتوبر 2013 بحثاً جيدا في أحد مراكز الدراسات الاوروبية عن عسكرة الإقتصاد المصري الذي بدأ في عهد جمال عبد الناصر . كان عصر السادات هو مسح القرارات الاشتراكية والانفتاح الاقتصادي واستمر ذلك في عهد مبارك . سيستغرب الكثيرون حجم الاقتصاد الذي يمتلكه ويديره الجيش .

هناك 3 جهات تدير امبراطورية العسكر الاقتصادية الاولى تتخصص في التصنيع المدني والزراعة والخدمات والثانية تمتلك 8 مؤسسات صناعية 40% من انتاجها موجه الى السوق المدني والجهة الثالثة تمتلك 11 مصنع وشركة و 70% من انتاجها يتوجه للاسواق المدنية .

وتنتج الجهات الثلاثة منتوجات متنوعة مثل الحديد ، الاسمنت ، الكيماويات ، سيارات الجيب الفخمة ، اسطوانات الغاز ، الافران والادوات المنزلية ، انابيب الغاز ، حاضنات الاطفال ، المياه المعدنية ، المعكرونة ، زيت الزيتون ومنتجات غذائية اخرى . كما يمتلك الجيش عدد كبير من محطات البنزين والفنادق وقاعات الزواج والسوبر ماركت ، وكراجات السيارات وشركات النقل .

ولقد عين كبار الضباط المتقاعدين لادارة هذه المؤسسات . فعلى سبيل المثال كان 18 من اصل 27 محافظ عند انتهاء عهد مبارك في فبراير 2011 من الضباط. كما أن قطاع النفط المملوك من الدولة كان يدير معظمه الجينرالات . وكان رئيس مؤسسة قناة السويس محفوظاً عادة لرئيس اركان الجيش .

علاقة الإخوان المسلمون والجيش بين 2011 الى يونيو 2013

من ما يؤسف له ان علاقة الإخوان المسلمون بالسلطة الحاكمة بمصر وتحديداً بالجيش منذ 1952 كانت تتأرجح بين تحالف مع الجيش كما حصل في انقلاب 1952 يقوم بعدها الحكم بالتنكيل بهم كما حصل مع عبد الناصر. استعملهم السادات كحليف لمحو انجازات عبد الناصر لكنه لم يسمح لهم بأن يصبحوا حزباً شرعياً. وبقوا كذلك بين كر وفر في عهد حسني مبارك بل واستعملهم كديكور للديمقراطية كلما كان عليه ضغطاً من الخارج .

كذلك فقد استعملهم المجلس الاعلى للقوات المسلحة لاغراضه لامتصاص الثورة الشعبية ثمّ نكل بهم. ولا بد هنا أن أبين احترامي الى جمهور الإخوان المسلمين وأنا لا اشكك بوطنيتهم وإخلاصهم وإن حكمهم ايام مرسي كان اقل فساداً ولكني اشكك في أداء و ضعف البعد الاستراتيجي لقياداتهم.

أتخذ المجلس العسكري من الإخوان حليفاً له خلال حكمه المباشر. ولقد اشرف على عدة انتخابات نزيهة نجح فيها الإخوان بما في ذلك مجلسي الشورى والبرلمان بل ورئاسة الجمهورية. لكن ضمِنَ المجلس ان لا ينتقص حكم الإخوان من سياسته الخارجية (كامب ديفيد والشراكة مع امريكا) أو من امبراطوريه الجيش الاقتصادية أو اي من امتيازاته الاخرى. فعلى سبيل المثال اصدر المجلس قانون رقم 45 /2011 والذي يمنح ضباط الجيش بما فيهم المتقاعدون حصانةً ضد محاكمتهم بالمحاكم المدنية.

ابقى الرئيس محمد مرسي على امتيازات الجيش في ادارة الدولة بما فيهم الوزراء والمحافظون وكبار الوظائف، وفي أغسطس 2012 صدر قانون رقم 197 ضِمْنَ الدستور والذي حافظ على استقلال الميزانية العسكرية بما في ذلك الايرادات من شركات الجيش المدنية و حَصَّنَها من اي رقابة حكومية وسمح أن تكون الرقابة من ضباط داخل القوات المسلحة نفسها.

كما نص الدستور الذي كتب في عهد الإخوان على اجبار البرلمان للتشاور مع الجيش والمجلس في اي قرار يتم اتخاذه ويتعلق بالقوات المسلحة . والمادة 195 حددت وجوب تعيين وزير الدفاع من ضباط الجيش. كما قام مجلس الشورى بالابقاء على اعمال الجيش معفاة من الضرائب والرقابة المدنية . قبل اسبوعين من عزله خطب محمد مرسي في جمهوره في مدرج القاهرة بأن الشعب والجيش سيساعدان الثوار في تحرير سوريا من الطغاة.

المستشار هشام جنينة صرح أن حجم الفساد قد كلف مصر حوالي 600 مليار جنيه. فماذا يكون مصير من يكشف عن الفساد:

  1. صدر قرار جمهوري باعفائه من منصبه واحالته لنيابة أمن الدولة للمحاكمة العاجلة بتهمة بث أخبار كاذبة.
  2. صرح جنينة: "انني على يقين أني أؤدي واجبي إرضاءً لوجه الله والوطن."
  3. حسب ما صرح به محامي جنينة رفضت المحكمة تقديم بيّناتِها عن التهمة الموجهة لموكله كما رفضت قبول مستندات من المركز القومي للمحاسبات كوثائق للدفاع.
  4. صدر الحكم بحبس جنينة سنة مع غرامة 20000 جنيه وكفالة 10000 جنيه.
  5. أودع السجن ليلة خطبة ابنته فاصابها إنهيار عصبي أودى بها الى المستشفى.
  6. صدر قرار جمهوري أخر باقالة إبنة جنينه الاستاذة شروق من منصبها في القضاء الاداري.

في البداية يجب أن نلخص القول بانه إذا كان العسكر يملكون واكرر يملكون نصف الاقتصاد المصري كما تبين الدراسات الاوروبية وإذا كان جنرالاتهم يديرون أغلبية النصف الأخر فعلينا أن نستنتج أن ما لم يقوله السيد محمد ابو الغيط عن اسباب فشل الدولة المصرية ودمار اقتصادها تقع مسؤلياته على عسكر مصر.

افهمنا يا عزيزي محمد أبو الغيط لماذا يعيش %85 من المصريين تحت خط الفقر ولماذا كادت أن تصبح الدولة المصرية دولة فاشلة؟ يصف إقتصادو الغرب والشرق على السواء أن حكم العسكر قد جعل من مصر "رجلاً ميتاً يمشي". ويريد العسكر معالجة السرطان الذي صنعوه بحبة أسبرين. ملخص القول: يحاول العسكر دواء مصر بدائهم ودواء صندوق النقد الدولي ما سيزيد الأمر سوءً.

لكن أول الدواء رجوعهم إلى معسكراتهم والرجوع إلى حكم مدني ديمقراطي. فمصر تملؤها الكفاءات المهمشة أو المهاجرة من ظلمهم.

قال انشتاين: لا يمكن حل المشاكل من نفس العقول التي سببتها . وحفظ الله مصر وأهلها من كل سوء .

  • مستشار ومؤلف وباحث

المصدر